النظام الابتكاري

تحدثت في مقال سابق عن أعمدة الاقتصاد المعرفي وحددتها في أربعة أعمدة وفقاً لما أورده البنك الدولي من دليل عنها إذ تتمثل في الهياكل المؤسسية التي توفر الحوافز لريادة الأعمال واستخدام المعرفة.

كما تهتم بتوفير العمالة الماهرة وأنظمة التعليم الجيدة، والبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتمكين الوصول إليها، ومناظر الابتكار الإبداعية التي تشمل الأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص والمجتمعات المدنية.

وفي هذا المقال نتحدث بتفصيل عن العمود الرابع من أعمدة اقتصاد المعرفة وهو النظام الابتكاري الفعال للشركات ومراكز الأبحاث والجامعات ومراكز الفكر والاستشاريين والمنظمات الأخرى التي تقوم بتطبيق وتعديل المعرفة العالمية بالاحتياجات المحلية لخلق تكنولوجيا جديدة. باعتبار مهم وهو أن توليد المعرفة التقنية يؤدي إلى نمو الإنتاجية.

ولو ركزنا على النقطة الأخيرة من سياق التعريف التوضيحي للنظام الابتكاري السابق وهي مهمة النظم الابتكارية المتمثلة في توليد المعرفة التقنية التي تؤدي إلى نمو وزيادة الإنتاجية وضمان صحة هذا الإنتاج والاستفادة من نتائج التجارب التقنية التي يعتمد عليها النظام الابتكاري في توليد المعرفة بجيدها ورديئها أي الاستفادة من جميع تلك النتائج في محاولة لتفادي الأخطاء المحتملة والتي لابد منها في أي عملية تجريب وارتجال جديدة في أي المجالات بكل أبعادها ومستوياتها.

ولعل وسائل التكنولوجيا الحديثة التي نجدها اليوم قد ساهمت في تسهيل مهمة التجريب وتوليد المعارف بأقل نسبة ممكنة من الأخطاء أي أن هذه المهمة تقع في صميم غايات الهندسة المالية أو أنها تمثل مرحلة ما بعد غايات علم الهندسة المالية فتشمل أهداف هذا العلم من حيث ضمان عدم وجود مخاطر وتأمين المشاريع والشركات والاستثمارات وتزيد عليها حين تقوم بمهمة توليد وخلق معارف جديدة وأنظمة ابتكارية حديثة يقع على عاتقها زيادة الإنتاجية إلى أعلى حد ممكن.

بمعنى أن التأمين من المخاطر وضمان عدم وجودها وهي مهمة علم الهندسة المالية يمكن اعتبارها توفير حالة من السكون لكن النظم الابتكارية تضمن هذه الحالة الساكنة في الأمن من المخاطر وتزيد عليها بتوفير حركة مستمرة ودائمة تعمل على الارتقاء بمستويات الإنتاج وتوليد المعارف الجديدة والأساليب الجديدة على عدة اتجاهات ودون أن يختل ذلك النظام الآمن مهما اشتدت وتيرة تلك الحركة.

من تلك النظم مثلاً التي يمكن للشركات المالية الاستشارية كما توفرها التكنولوجيا الحديثة في عصر المعرفة تطبيق الواقع المعزز والواقع الافتراضي المدمجان في آن في سبيل خلق وتوليد معارف جديدة خالية من الأخطاء وبأقل تكلفة اقتصادية ممكنة. ودون أي خسائر مادية.

ومثال على ذلك ما يمكن ذكره من تكاليف باهظة كانت تتكبدها شركات الطيران والكليات الجوية حين تضطر دائماً في سبيل تأهيل الكوادر إلى توفير جو بعيد عن المدن للقيام بجولات التدريب والتأهيل كما أنها تخسر في أحايين كثيرة خسائر جسيمة متمثلة في سقوط طائرات وعدا ذلك تكاليف عمليات الإقلاع والجولات من زيوت وبنزين للمحركات وغير ذلك.

ويستمر هذا لأربع سنوات بالضرورة لولا أن النظم الابتكارية التي وفرتها وسائل التكنولوجيا الحديثة قد استطاعت أن تمنح هذه المؤسسات إعفاء تاماً من ثلاثة أرباع التكاليف التي كانت تتكبدها طيلة سنوات الدراسة مع ضمان ذات النتائج وبأعلى نسبة ممكنة من الفاعلية وبدون أي خسائر .

حيث يقوم الطلاب بالتدرب على هذه النظم حتى السنة الأخيرة أي أن التطبيق على الواقع يكون لمرة واحدة لكنها خالية من أي أخطاء أو أي خسائر مادية كدليل واضح على الإمكانيات العظيمة التي يمكن أن يوفرها نظام ابتكاري مثل هذا لا يختلف إطلاقاً عن الواقع في كل أدواته بل إنه يضع أسوأ الاحتمالات التي يمكن أن تواجه الطيارين في رحلاتهم الجوية ليتم اختبار قدراتهم على تفاديها افتراضياً وبدون أي مجازفة كانت تفترضها الطرق التقليدية دائما ولطالما كانت تنتهي بمآس مؤلمة.

كما نجد أنواعاً أخرى من النظم الابتكارية التي غايتها الأساسية اختبار وقياس ما يمكن الخوف من الارتجال في عملية تجريبه سواء كان ابتكاراً جديداً يتمثل في بحث علمي أو نظام اقتصادي جديد يمكن أن يحل بديلا لنظم اقتصادية أخرى .

ولكن لابد من تجريبه أولاً من خلال نظام ابتكاري أو حتى نظام سياسي بديل أو حتى إنشاء وتصميم مدن وعوالم جديدة تفترض سياقات أخرى غير ما يفرضه الواقع الذي نعيشه والحضارة النفطية في سبيل إيجاد بدائل جديدة تؤمن من المخاطر التي تهدد العالم الذي نعيشه اليوم وبدون أي مجازفات قد تؤدي إلى اضطرابات أشد مما تفرضها المخاطر الحالية.

لكن هذه السياقات من المعارف التي نطرحها كأمثلة تذهب إلى ما هو أبعد من المكونات السابقة للنظم الابتكارية مما توفره وسائل التكنولوجيا الآنفة الذكر أي أنها تفترض خلق نظام ابتكاري جديد أولاً قد يتم خلقه من خلال عملية مزج بين أدوات وتطبيقات وتقنيات متعددة من تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي نعرفها.

كما حدث في مشروع الدولة الافتراضية الجديدة مثل «دولة سنتريون الافتراضية» التي طورت تقنية البلوكتشين وخلقت لها مساراً آخر غير ما اشتهرت به يتناسب مع متطلبات بناء الدولة الافتراضية المبتكرة ويضمن لها أعلى مستوى من النتائج الفعالة.

كما ويمكن ابتكار ذلك النظام الابتكاري من خلال تصور نموذجي محترف يوفر ما يحتاجه البحث أو المادة المعرفية التي نريد اختبارها وقياس نتائجها من خلاله ويتطابق مع متطلباتها اعتماداً في ذلك على مهارة المبرمج وقدراته وفهمه للمشروع المراد تنفيذه واختبار نتائجه لتوليد وخلق معارف جديدة. وللحديث بقية.

* مستشارة الاقتصاد المعرفي

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات