الإنسان بوصفه شعوراً

ما هي حقيقة الإنسان؟ لقد شغل هذا السؤال كل مباحث المعرفة من الفلسفة إلى علم النفس وعلم الاجتماع، إلى علم الفيزيولوجيا والأعصاب وعلم الأحياء عموماً (البيولوجيا)، ومازال العلماء منشغلين بهذا السؤال.

لكن الحقيقة التي لا لبس فيها هو أن الإنسان في إحدى أهم خصائصه هو شعور.

الشعور هو التجربة الذاتية للفرد في علاقته بالعالم المحيط، والتي أي هذه التجربة، تتكون من المشاعر المتعددة تجاه الأحداث والوقائع والمشكلات وردود الفعل الواعية تجاهها.

إن شخصاً ما يؤمن بالسلم الأهلي والتسامح وحق الحياة بأمان للجميع، سينتابه شعور بالغضب والتأفف والرفض من عملية إرهابية قاتلة لأناس لا ذنب لهم سوى أنهم يسيرون في شارع مزدحم أو يتعبدون في مكان للعبادة.

وبالمقابل فإن القاتل، وقد قام بفعلته، قد انتابه شعور بالرضا والنصر.

إن وصف الشعور الأول، الذي غضب ورفض وتألم من قتل الناس هو شعور أخلاقي إيجابي، فيما شعور الثاني هو شعور غير أخلاقي وسلبي. وقس على ذلك.

فعندما نعرف الوطنية، مثلاً، بأنها حب الوطن، أي أن الوطن وما يولده الانتماء إليه من شعور بالحب هو الوطنية، الوطنية بوصفها حباً فإنها تنتج سلوكاً مطابقاً للحب.

وإذا كان صحيحاً بأن هناك مشاعر متشابهة لدى البشر، وبخاصة فيما يتعلق بحب الحياة والحفاظ عليها، والإقرار بالحق فيها من دون أي اعتداء، غير أن الذي لا شك فيه بأن مشاعر الناس ذات ارتباط بالمعرفة والأفكار المسبقة والاعتقادات والقيم السائدة والتقاليد المتبعة والتربية. فالمجتمع هو أحد أهم منابع المشاعر لدى قاطنيه، بمعزل عن اختلافات الأفراد. ولهذا ليس لأحد الحق بأن يجعل من شعوره بالجمال معياراً يقيس عليه شعور الآخرين بهذه القيمة. فالشعور بالجمال يتكون ذاتياً وموضوعياً، فلوحة ما لسلفادور دالي قد يراها بعضهم قبحاً وقد يراها آخرون جمالاً، وهكذا..

ينتج مما سبق مشكلة من أصعب المشاكل وأعقدها، ألا وهي التناقض بين الشعور والسلوك. وهذه الحالة هي أخطر أنواع الاغتراب الذي يمكن أن يعيشه المرء.

وقديماً قال أبو الطيب المتنبي:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بدُّ

ولقد وضع المتنبي يده على أخطر حالة اغتراب بين الشعور والسلوك.

قلنا إن حقيقة المرء تكمن في حقيقة شعوره والسلوك المرتبط بهذا الشعور.

صحيح بأن المتنبي كان يعرض تجربة ذاتية في علاقته بكافور الإخشيدي على ما أعتقد، لكن المتنبي يرفع القضية إلى المستوى الكلي فيعرض لنا شعور الكائن الحر. الكائن الحر هو الكائن الذي يشعر بقيمته ولا يحمله أحد على ما لا يريد. الشعور بالحرية ينتج بالضرورة شعوراً برفض عدو حريتك. فها أنت مجبر على صداقة عدوك، أي عدو حريتك. الصداقة شعور يولد سلوكاً مطابقاً كالود والاهتمام والإيثار والتعبير عن الحب.

إذا كنت حراً و مجبراً على صداقة عدوك، فهذا يعني بأنك مجبر على إظهار سلوك الصداقة الذي يتناقض مع سلوك العداوة. فها أنت، إذاً، اثنان وليس شخصاً واحداً. واحد حر وصادق في شعوره وواحد كاذب في التعبير عن شعوره.

والاستبداد هو هذا بالأصل. فكل مستبد مكروه بالضرورة، والانتماء للمستبد حالة مرضية أو مصلحية. وحين يحمل المستبد الناس على تمجيده والهتاف له، فإنه عملياً يقول للناس اكذبوا ولا تعبّروا عن شعوركم، عبّروا لي بخطاب وسلوك يقهر شعوركم. أي اغتراب أوحش من هذا الاغتراب.

أما ما هو الشعور السلبي تجاه الحياة والمجتمع، وما أخطاره على الناس، فهذا يحتاج إلى قول آخر مستقل.

* كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات