صراعات ليست عصية على الحلول... ولكن

للصراعات الملونة إثنياً أو دينياً أو مذهبياً أو قبلياً أو مناطقياً أو طبقياً تأريخ دامٍ وطويل في كل بقاع العالم، فقد شهدت معظم الدول خلال سيناريوهات صيرورتها صراعات دموية من هذا النوع أو ذاك، تركت ندوباً متباينة العمق على تأريخها. إلا أن ذلك لم يقف حائلاً أمامها لترى وتتيقن بأن معالم مستقبلها لا يرسمه إرث ماضيها، فالنسيان عامل أساسي في استراتيجيات بناء الدول والمجتمعات القوية.

التباينات في وجهات النظر والاختلافات في الرؤى والتضاربات في المصالح، وبالتالي في الطروحات السياسية التي تعكس كل ذلك، من الأمور الطبيعية في أي بلد سواء أكان هذا البلد ديمقراطياً يمارس فيه الفرد حقوقاً يكفلها الدستور أم دكتاتورياً تتقلص فيه هذه الحقوق إلى حد كبير وربما تنعدم تماماً.

تنعكس هذه التباينات على نبض الشارع، وبالتالي على تحركاته التي تعير السلطات الحاكمة في جميع الدول بلا أي استثناء أقصى درجات الاهتمام بها أمنياً. ففي الوقت الذي تصنع الدول الديمقراطية من هذه التباينات منصات للتقدم والتطور وتحسين الواقع المجتمعي تصنع الدول الديكتاتورية منها منصات ليست للتخلف فحسب وإنما لصراعات مؤجلة لا يستبعد فيها التوجه نحو استخدام السلاح.

في سياق فتح هذا الملف الساخن جداً لواقع الشرق الأوسط سياسياً ثمة ما يدعو للتوقف عند ما يدور في بعض دوله خلال العقد الأخير من السنين من صراعات لم تعد قابلة للاحتواء على تداعياتها محلياً، بل وصل الأمر بتعقيداتها أن أصبحت غير قابلة للخضوع إلى مختلف الحلول حتى مع وجود وسطاء أمميين، مما أضعف الرهان على بقاء هذه الدول موحدة من جهة، وسلط الضوء في الوقت نفسه على ما هو أبعد كثيراً من ذلك، وهو عجز النظام العالمي القائم على مقاربة هذه الصراعات من جهة أخرى. إذ لم تفشل الأسرة الدولية ممثلة بمجلس الأمن الدولي في إيقاف هذه الصراعات فحسب، بل فشلت في صياغة سياسات قابلة للتنفيذ لحماية المدنيين في بؤرها.

لم تقتصر الأضرار التي ترتبت على اندلاع هذه الصراعات على البلدان نفسها، بل تجاوزت ذلك إلى دول الجوار، ووصلت إلى أماكن أبعد حين بلغ عدد النازحين عن أراضيها والمهاجرين إلى دول الجوار وإلى أوروبا الملايين، ابتلعت البحار الآلاف منهم.

صراعات معقدة يصعب التعامل معها اندلعت في سياقات ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي عام 2011، الأمم المتحدة كررت إخفاقاتها في التصدي للأزمات التي ازدادت تعقيداً في سوريا واليمن وليبيا. فقد تعاقب على مقاربة الأزمة السورية مندوبون عديدون لها بدئاً بالأخضر الإبراهيمي ثم كوفي عنان ثم ستيفان ديمستورا وأخيراً غير بيدرسون، من دون أن يوفقوا في إقناع الفرقاء السوريين بالجلوس على طاولة حوار واحدة وجهاً لوجه.

ومنذ اندلاع الأزمة اليمنية تعاقب عليها مندوبو الأمم المتحدة جمال بن عمر ثم إسماعيل ولد الشيخ ثم أخيراً مارتن غريفيث، وتطوعت دول عدة لاستضافة حوار الفرقاء بدءاً بسويسرا ثم الكويت وانتهاءً بالسويد، ولا ضوء إيجابياً يلوح في الأفق، فما يتفق عليه ينقض فور البدء بتنفيذه. أما الأزمة الليبية فقد تعاقب عليها أممياً مارتن كوبلر ثم غسان سلامة، والحرب فيها تزداد اشتعالاً وسط لغط إعلامي عن من له شرعية الحديث باسم ليبيا.

والحقيقة أن اندلاع هذه الصراعات لا يعكس خلافات آنية انبثقت فجأة في هذه الدول، بل يعكس الدور الخطير الذي يمكن أن تلعبه خلافات متجذرة كامنة قادرة على التحول في ظروف معينة، وفي سياقات خاصة من نزاعات حول الحقوق القانونية إلى صراعات حول المصالح السياسية، فهي تعكس صورة حقيقية لوجه الشرق الأوسط الذي يغطي الرماد جمره الملتهب.

ما كان لهذه الصراعات أن تتفجر بهذه الدرجات من العنف، وتصبح عصية على الحلول طيلة عقد من الزمن، لولا التدخلات الخارجية وبشكل خاص تدخلات الدول الإقليمية ذات الأحلام الإمبراطورية التي استطاعت إحكام سيطرتها على مفاتيح هذه الصراعات، وتمكنت من إدارتها، إلى الحد الذي أصبح من الصعب التعامل معها وإنهائها، من دون موقف أممي فاعل يردع هذه الدول خاصة مع توافر الأدلة الدامغة على انخراطها بعمق في هذه الصراعات، بعد أن ضُبطت في مناسبات عدة بواخر تحمل الكثير من الأسلحة والأعتدة صادرة عنها إلى بؤر الصراعات هذه، في الوقت الذي سبق لمجلس الأمن الدولي أن أصدر قراراً بتحريم تزويد السلاح إلى هذه البؤر.

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات