العاصمة الإدارية

كنت وما زلت أؤمن بأن حلول التكدس السكاني والاختناق المروري، لن ينفع معه سوى إيجاد عاصمة إدارية متكاملة، تخفّف وطأة الكثافة السكانية في المدن القديمة.

من هذه الحلول، ما أقدمت عليه، جمهورية مصر العربية مؤخراً، وهو بناء العاصمة الإدارية شرق القاهرة. تضم العاصمة تجمع محمد بن زايد، وحياً حكومياً فيه مبنى الرئاسة ومجلس الوزراء، ومبنى البرلمان وحي المال والأعمال، الذي تطور فيه شركة صينية ما قيل إنه أعلى ناطحة سحاب في أفريقيا. فضلاً عن المدن الطبية والرياضية والسكنية، والحديقة المركزية.

اقترحت في مقال سابق، قبل عقد ونصف، إنشاء عاصمة ثانية، يكون فيها بحيرة اصطناعية ضخمة، تحف بها أفضل المقاهي والمطاعم العالمية والمحلية، وكل الخدمات الحكومية والتجارية. وتجاورها مدينة ترفيهية تشبه ديزني لاند، وكل ما يجعلها مقاطعة تتمتع باكتفاء ذاتي، لا يحتاج معه الناس للذهاب إلى موطن الاختناقات المرورية في مدنهم التقليدية.

وينطلق هذا المفهوم من مصطلح عقاري شهير بالإنجليزية، معناه: اشرع في البناء، وسيأتيك الناس من كل حدب وصوب. وهذه العاصمة الإدارية، ستشجع الناس للسكن حولها، ما يمنحها «ألفة بشرية»، خصوصاً إذا كانت مزودة بوسائل نقل سريعة، كقطارات مستقبلية ومطار دولي.

في الكويت، كانت لدينا تجربة مميزة في بناء أول وأشهر مدينة ترفيهية بمنطقة الخليج عام 1984، وتعتبر بعيدة نسبياً عن العاصمة، وأثارت استغراب الناس، قبل أن يكتشف الناس روعة الفكرة، وكيف أحيت تلك المنطقة التي زحف إليها الامتداد العمراني، بل تجاوزها.

ويمكن أن تناط مهمة بناء العاصمة التجارية للقطاع الخاص بالكامل. ولتجنب الاختناقات المرورية، يمكن بناء خطوط سريعة رئيسة، مثل طريق محمد بن زايد، الذي سيأخذ الناس إلى المدينة الإدارية في مصر. وحبذا لو بنيت جسور طويلة على غرار جسر الخليج الأكبر في الرياض، وجسر الغزالي في الكويت، الذي يمتد فوق مناطق صناعية وسكانية شاسعة ومكتظة. وربط الآن بجسر جابر الأحمد، الأطول في المنطقة.

لا مفر لنا من الاختناقات المرورية والكثافة السكانية، سوى بناء مزيد من الجسور، وإحياء المناطق البعيدة بمدن ذكية، وعاصمة إدارية جاذبة. لكن أي محاولة لبناء عاصمة جديدة من دون دراسة متأنية لأبرز تجارب العالم، سيكون كالقفز إلى مجهول. والسبب، المبالغ والجهود الهائلة التي يطلبها هذا المشروع الوطني، الذي يفترض أن يتحاشى أخطاء غيره.

وتكمن جاذبية المشروع، أنه لم يعد الناس بحاجة للذهاب إلى الوزارات لإجراء معاملات عديدة، خصوصاً بعد حرص تقارير دولية عدة على اعتبار ميكنة الأعمال وسهولة إجراءاتها، مؤشراً على تقدم تصنيف البلدان، الأمر الذي يبرر التسارع غير المسبوق في المنطقة نحو تحويل الخدمات التقليدية إلى الإلكترونية الميسرة.

معظم الحلول الخلاقة، نبعت من فكرة في غاية البساطة. غير أن ما يضيف إلى الفكرة، هو حسن تطويرها ودراستها وإعدادها، وانتقاء أفضل العقول والمؤسسات لتنفيذها، لتصبح نموذجاً يشار إليه بالبنان، ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم بأسره.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات