الشرق الأوسط.. وصراع الجليد

من يملك القطب الشمالي سيتحكم في عالم القرن الحادي والعشرين، هذا مبدأ متفق عليه بين مخططي الاستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، ويبدو أن العالم يتجه نحو عسكرة «القطب الشمالي» بعد رصد المليارات من جانب الدول المتشاطئة للقطب الشمالي من أجل تعزيز النفوذ وبناء القواعد العسكرية، ونشر الصواريخ الاستراتيجية والمجنحة، فما هي أبعاد الصراع الدولي على ثروات القطب الشمالي؟ وإلى أي مدى يشكل الصراع تحول في استراتيجية الدول الكبرى بالشرق الأوسط والمنطقة العربية؟ وهل نحن مقبلون على حرب جديدة أم أن الثروات الضخمة ستكون محفزاً للتعاون وليس للصراع؟

فقد أدى ذوبان الجليد في السنوات الماضية بسبب الاحتباس الحراري إلى أن المحيط المتجمد الشمالي فقد أكثر من نصف مساحته المغطاة بالجليد، وبات من السهولة إنشاء طرق وممرات تربط آسيا وأوروبا عبر القطب الشمالي، كما زادت قدرات الدول المطلة على المحيط القطبي على استخراج النفط والغاز والمعادن المختلفة، ووفق دراسة لهيئة المسح الأمريكية أعلنتها عام 2015 فإن استخراج النفط والغاز أصبح أكثر سهولة، وأن القطب الشمالي الذي تبلغ مساحته 27 كيلو متراً يحوي 25% من الاحتياطيات غير المكتشفة من البترول، بالإضافة إلى 30% من الغاز الطبيعي، وتطل 6 دول بشكل مباشر على القطب الشمالي هي روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا والدانمارك والنرويج، وتتداخل فيه 3 دول هي السويد وفنلندا وأيسلندا.

ودخل الصراع على القطب الشمالي مراحل جديدة مع اكتشاف هذه الثروات الهائلة، حيث تتصارع روسيا مع الدول الأخرى التي تنتمي لحلف الناتو، فما هي الخيارات الروسية والأمريكية في هذا الصراع؟

أولاً: تعتبر روسيا أن سيطرتها على أكبر جزء من القطب الشمالي يعزز قدراتها الاقتصادية والدفاعية، وتعمل روسيا حالياً على بناء قواعد عسكرية وإحياء قواعد أخرى منذ أيام الاتحاد السوفييتي، حيث تمتد سواحلها على القطب الشمالي مسافة 3 آلاف ميل، ويؤمن القطب الشمالي 15% من الدخل القومي الروسي، وما نسبته 25% من الصادرات الروسية، وقال الرئيس بوتين أكثر من مرة إن ازدهار الأجيال القادمة للشعب الروسي تبدأ وتنتهي عند الاستغلال الأمثل لثروات موسكو في القطب الشمالي، وأنها أحد «مفردات القوة الروسية» في المستقبل، لذلك نشرت روسيا وحدات من الدفاع الجوى والقوة الفضائية الروسية التي تضم رادارات متقدمة جداً وقاذفات استراتيجية، وصواريخ كاليبر المجنحة وتشكيل كتائب عسكرية متكاملة مثل القيادة الاستراتيجية المشتركة، ويضاف لكل ذلك الأسطول الرهيب لاكتساح الجليد الذي يضم 20 سفينة منها 9 سفن تعمل بالطاقة النووية، فيما يخطط الكرملين لبناء 10 سفن عملاقة جديدة خلال السنوات العشر المقبلة وفق دورية الدفاع الأمريكية.

ثانياً: ترى الولايات المتحدة الأمريكية أنها يجب أن تتحرك مع حلفائها الغربيين، ولا يوجد أي مجال أمامها للتراجع أمام روسيا في القطب الشمالي، فالولايات المتحدة أصبحت دولة قطبية بعد شرائها ولاية ألاسكا من روسيا عام 1867، وأنتجت أكثر من 15 مليار برميل نفط من ألاسكا التي بها احتياطيات تصل لـ 36 مليار برميل نفط، وأن أكثر من 25% من المخزون النفطي الأمريكي الخام يوجد في هذه الولاية، وقالت وزارة الطاقة الأمريكية إن إنتاج النفط من منحدر ألاسكا يوفر 123 مليار دولار، وإن هذا الإنتاج هو الذي جعل الولايات المتحدة مصدراً صافياً للنفط أواخر العام الماضي بعد أن كانت مستورداً لعقود، لذلك تنشر الولايات المتحدة حالياً 35 ألف جندي في ألاسكا، ووضع الرئيس ترامب مليارات الدولارات للدفاع عن ما اسماه «بحقوق الأجيال القادمة» في القطب الشمال.

ثالثاً: الشرق الأوسط والمنطقة العربية في قلب هذا الصراع الذي يبدو بعيداً عن المنطقة، فهناك من يقول إن «الممر الذهبي للتجارة» بين آسيا وأوروبا وأمريكا سيمر عبر «القطب الشمالي» في المستقبل وليس عن طريق الشرق الأوسط، وهذا سيفرض على دول المنطقة البحث عن مصادر دخل جديدة إذا ما تراجعت معدلات مرور التجارة الدولية عبر المنطقة العربية، الأمر الآخر لا بد أن يوضع في الحسبان الإنتاج الوفير من النفط والغاز من القطب الشمالي، خاصة أن الصين أكبر مستورد للنفط تفكر في شراكة مع الدول القطبية لتأمين احتياجاتها النفطية على المدى الاستراتيجي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات