أولويات السياسة الأمريكية بين أوروبا وأمريكا اللاتينية

بالتزامن مع الذكرى الثامنة والخمسين لواقعة خليج الخنازير الشهيرة، فتحت إدارة ترامب صفحة جديدة من التوتر مع أوروبا بإعلان سياسة أكثر تشدداً تجاه كوبا.

فالأسبوع الماضي، أعلنت إدارة ترامب أنها سوف تسمح للمواطنين الأمريكيين بمقاضاة الشركات الدولية التي تعمل في كوبا. وهو ما اعتبره المحللون بمثابة عقاب لكوبا بموجب تأييدها لنظام نيكولاس مادورو في فنزويلا.

وهو النظام الذي تعاديه إدارة ترامب وتسعى للتخلص منه. وقد جاء الإعلان عن تلك السياسة الجديدة متزامناً مع الإعلان عن فرض الولايات المتحدة لعقوبات جديدة على فنزويلا أيضاً.

والحقيقة أن السياسة الأمريكية تجاه كوبا شهدت منذ تولي فيدل كاسترو الرئاسة في كوبا عام 1959 صعوداً وهبوطاً لأسباب اختلط فيها الخارجي بالداخلي الأمريكي. فقد تولى كاسترو الحكم في كوبا في عهد الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور.

وهو الذي تم في عهده التخطيط لعملية سرية لغزو كوبا تم تنفيذها في عهد خلفه الرئيس جون كينيدي. وكانت عملية الغزو، التي جاءت في إطار الحرب الباردة، والمعروفة باسم خليج الخنازير فاشلة بكل المقاييس.

فقد دربت المخابرات المركزية الأمريكية وحدة عسكرية من قرابة 2500 من الكوبيين في المنفى تم إنزالها في خليج الخنازير في أبريل 1961. وكان منطق ذلك الغزو ساذجاً بامتياز ومؤداه أن الكوبيين سيستقبلون الكوبيين في المنفى بالترحيب وسيتحركون في انتفاضة شاملة للإطاحة بنظام كاسترو بعد أن تكون العملية المخطط لها قد دمرت دفاعاته الجوية أصلاً. إلا أن أياً من ذلك لم يحدث وفشلت العملية فشلاً ذريعاً منذ الساعات الأولى.

ومنذ ذلك التاريخ، ظلت العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا محكومة باعتبارات الحرب الباردة. لكن عاملاً لا يقل أهمية عن ذلك كان هو النفوذ القوي لـ«اللوبي الكوبي»، أي الأمريكيين من أصول كوبية الذين شكلوا في الثمانينات جماعة ضغط قوية دفعت الكونغرس والرئاسة لاتخاذ سياسات بالغة التشدد تجاه كوبا سعياً لإسقاط النظام فيها.

غير أن تحولات كثيرة مهمة فرضت نفسها في التسعينات. فمن ناحية، حدثت انقسامات داخلية أضعفت اللوبي الكوبي نفسه. ومن ناحية أخرى، كان الاتحاد السوفييتي قد انهار وانتهت الحرب الباردة.

وقد ساعد في إحداث التحول أن انتقد بابا الفاتيكان وقتها بقوة الحظر الأمريكي المفروض على كوبا. وكان بيل كلينتون وقتها في الحكم وسعى للاستفادة من كل تلك التطورات لإحداث تحول في السياسة تجاه كوبا. فقام بتشجيع لوبي المزارعين، الذي كان يسعى للاستفادة من التجارة مع كوبا، في اتخاذ مواقف سياسية علنية تناهض سياسة الحظر والعقوبات لتمثل غطاءً سياسياً يمكّنه من تغيير السياسة.

لكن الكونغرس ذا الأغلبية الجمهورية وقتها أراد تقييد كلينتون عبر إصدار القانون الذي صار معروفاً باسم قانون «هيلمز-بورتون» عام 1996، والذي جعل تغيير السياسة تجاه كوبا من اختصاص الكونغرس وحده.

لكن القانون انطوى، كغيره من قوانين السياسة الخارجية، على مادة تعطي الرئيس الحق في تأجيل فرض العقوبات على الشركات الدولية العاملة في كوبا إذا ما قدم كتابياً للكونغرس ما يفيد بأنه «يشهد» بأن «انتقالاً نحو الديمقراطية يحدث في كوبا». وكان الأعضاء الجمهوريون وقتها يعتقدون بأنه يستحيل على كلينتون استخدام مثل ذلك التأجيل، لأنه لا يوجد «انتقال نحو الديمقراطية» يمكن له أن يشهد بحدوثه.

لكن كلينتون نفذ التأجيل مستخدماً شهادة مفادها أن من شأن التأجيل «الإسراع بالتحول نحو الديمقراطية» لا حدوثه بالفعل. وقد ظل كل رئيس منذ عهد كلينتون يستخدم ذلك التأجيل لئلا يؤدي فرض العقوبات على الشركات الأجنبية لنزاعات تجارية مع حلفاء أمريكا خصوصاً في أوروبا، الشريك التجاري الأول لكوبا.

ومن هنا يأتي التحول الذي تمثله سياسة ترامب. فباتخاذ قرار فرض العقوبات على تلك الشركات تكون إدارة ترامب هي الأولى منذ التسعينات التي ترفض استخدام التأجيل المنصوص عليه في قانون «هيلمز- بورتون». والحقيقة أن سياسة الإدارة تجاه كوبا هي جزء من سياسة مزدوجة تهدف لتغيير النظام في بلدين بأمريكا اللاتينية بضربة واحدة.

فهي تسعى لتغيير النظام في فنزويلا وإيجاد نظام صديق لها هناك يقوم، ضمن ما يقوم، بوقف إمداد كوبا بالنفط الفنزويلي، الأمر الذي يؤدي للتأثير بالسلب على الاقتصاد الكوبي، المجهد أصلاً، مما يدفع جدياً الجهود الرامية نحو تغيير النظام هناك.

لكن فرض تلك العقوبات من شأنه أن يكلف الشركات الكندية والأوروبية العاملة في كوبا مليارات الدولارات، الأمر الذي يرفع حدة التوتر التجاري بين الولايات المتحدة وحلفائها. فقد أدانت أطراف أوروبية عدة تلك السياسة وهدد الاتحاد الأوروبي بمقاضاة أمريكا أمام منظمة التجارة العالمية.

ومن هنا يصبح السؤال المهم متعلقاً بما إذا كانت إدارة ترامب تجد في الإطاحة بالنظامين الفنزويلي والكوبي مصلحة أمريكية أكثر أولوية من الاحتفاظ بعلاقات قوية بحلفائها في أوروبا وكندا، وإذا كان الأمر كذلك فعلاً، يصبح السؤال الأهم على الإطلاق هو لماذا؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات