«نيو لوك» الحرس الثوري

استبدل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، قبل يومين، قائد الحرس الثوري اللواء محمد علي جعفري وحل محله نائبه العقيد حسين سلامي، بصورة مفاجئة كما توضحه وسائل الإعلام العالمية، الأمر الذي أثار تكهنات المراقبين حول علاقة هذا التغيير مع التطورات الدولية تجاه السياسة الإيرانية، وتحديداً عندما صنفت إدارة الرئيس دونالد ترامب الحرس الثوري بأنه منظمة إرهابية.

البعض اعتقد أن هدف المرشد الأعلى في إيران من هذا التغيير أنه يريد أن ينتهج أسلوباً جديداً على الساحة السياسية في المنطقة والعالم عن طريق اتباع سياسة التهدئة مع المجتمع الدولي على اعتبار أن جعفري كان يقوم بأعمال تخالف توجهات المرشد، وأنه كان يتدخل في الكثير من السياسات التي لها علاقة بالإقليم، وأن علاقة الاثنين - المرشد وجعفري - لم تكن على وفاق، وبالتالي استغل المرشد اللحظة الدولية وأقاله.

بالنسبة لنا في منطقة الخليج العربي، من الصعب لنا تقبل تلك الحجة، وإن كان فيها بعض المنطق، لأن النظام الإيراني بالنسبة لنا لا يمكنه أن يغير من نهجه في السياسات التي يتبعها مع دول المنطقة إلا إذا كان يسعى إلى الأسوأ، على اعتبار أن تاريخ المنطقة على مدى أربعة عقود لم تكن فيها ما يسعى إلى التهدئة أو التفاهم على ما يهدد استقرار المنطقة ودولها، وبالتالي لن يكون التغيير يهدف إلى هذه النتيجة بقدر أنها نوع من سياسة «تدوير السياسة الإيرانية» بأشخاص آخرين قد لا يكونون معروفين في العالم لحين ما تتبين النوايا الحقيقية.

معروف عن النظام الإيراني تقلباته السياسية وعدم التصلب في مواقفه إذا لاحظ أن الخطر قد يؤدي إلى تدميره، وبالتالي فإن التغيير الجديد أو «استبدال» القائدين ليس إلا نوعاً من حماية النظام الذي بات يعاني من الداخل والخارج، لأن الكل يدرك أن من «يحكم إيران» هو شخص واحد والجميع عبارة عن منفذي تلك السياسة، وبالتالي فلا فرق بين جعفري وسلامي إلا في شكل الوجه أو ما يطلق عليه في عمليات التجميل «نيو لوك» للحرس الثوري الإيراني، بمعنى أن هناك تغيراً جديداً في الساحة العالمية ضد إيران يستوجب منه إما التصعيد وإما التهدئة باعتباره مدخلاً جديداً.

حسب ما هو متعارف عليه عن السياسة الإيرانية أنها تتصف بالجمود والتصلب في مواقفها وفق دبلوماسية «صانع السجاد»، والتي تعتمد فكرتها على الصبر الطويل لإرهاق الآخر ليستسلم في النهاية لطلباته، ولكن يبدو أن تكتيك إدارة ترامب في تطبيق العقوبات استلزم إدخال تحسينات في بعض وجوه النظام ممن يعتبرون أنهم غير مرغوبين في هذه اللحظة وفق سياسة لكل مرحلة قائد مناسب، فهذه المرحلة هي لسلامي، ولكن ما نتمناه نحن في الخليج العربي أن تكون مرحلة في صالح الشعب الإيراني، وبداية جديدة لعلاقات أفضل مع المجتمع الدولي.

قد يرى البعض في التغيير أمراً طبيعياً باعتبار أن قائد الحرس الثوري عادة يتغير كل عشر سنوات، لا سيما وأن جعفري تم التمديد له في حالة استثنائية ولكن تغييره بعد تطورات إقليمية مست أذرع إيران وميليشياتها تؤكد أن نظام الملالي يعيش مأزقاً حقيقياً ولم يعد يستطيع الحرس الثوري أن يتبع سياسة «خلط الأوراق» وإرباك الاستراتيجيات الدولية، لأن قوته أساساً ليس في الدولة الإيرانية وإنما في حزب الله اللبناني والحوثيين والحشد الشعبي.

الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها الخليجيون لفهم ما حدث في إيران هي: هل هناك تحول ما في تكتيك إيران في ناحية إدارة علاقاتها مع دول المنطقة، باعتبار أن الحرس الثوري هو الذي يصيغ العلاقة الإيرانية الخليجية؟! أم أن التغيير «مغازلة سياسية» إيرانية للإدارة الأمريكية لتحول ما في علاقاتهما؟! أم أن المسألة كلها إكسسوارات سياسية وتغيير قناعات ووجوه دون تغيير حقيقي؟!.

تجارب العقود الماضية مع نظام الملالي تجعل من الصعب التيقن بالهدف الحقيقي من كل تغير، فالنتائج تأتي متأخرة ولكن غالباً ما تكون في غير صالح أبناء المنطقة والشعب الإيراني.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات