انفصام تربوي

إن عظمة الأمم تقاس بإنجازات أجيالها، فالإنسان هو محور أي نهضة أو عظمة، ومن أراد الارتقاء بأمته أو بدولته هو من يعمل على بناء الإنسان، واتباع النهج السليم والقويم في هذا البناء للوصول لمجتمع قادر على صناعة ما لم يستطع غيره صناعته، ومن هنا تبدأ العظمة.

إن من أبرز التحديات التي تواجه أي مشروع لبناء الإنسان هو «الانفصام التربوي» أو ما يعرف أيضاً بازدواجية التربية، ولا أقصد هنا مفهوم الازدواجية التربوية داخل الأسرة كأن يربي الأب على شيء والأم على نقيضه فقط وإن كان لها دور أيضاً في التحدي إنما أقصد ما هو أكبر وأشمل، حيث إن هذا الأمر نواجهه حتى في الدوائر الأكبر من دائرة الأسرة.

الأسرة تنتهج فكراً معيناً في تربية أولادها، والمدرسة تنتهج فكراً آخر، والبيئة المحيطة تخالف الإثنين، والمؤسسة الدينية تخالف أو تتعارض مع الثلاثة، والعولمة والانفتاح الحاصل يأتي لنا بمناهج وأفكار وقيم وعادات لم تكن بالحسبان، ومع هذا التشتت نتساءل كيف ستخرج أجيالنا؟، وما هي مخرجات هذا الانفصام في المدخلات؟!، فلا تتعجبوا إن كنتم ترون انفصاماً في تركيبة أي مجتمع أو حتى أي أسرة، فالمدخلات المكونة لشخصيات أفراد المجتمع متعارضة لبعضها البعض، وبينها صراع من الشد والجذب ما يخرج لنا مجتمع متشتت غير قادر على بناء العظمة التي ننتظرها، وهنا لا أقصد مجتمعاً بعينه إنما كلامي عام يخص جميع مجتمعات هذا العالم.

إن بناء مجتمع قوي قادر على مواجهة أي فكر ضال أو متطرف أو حتى منحل يتطلب قاعدة ثابتة من البناء، فلا يعقل أن نواجه كل هذا التشتت ونطالب في النهاية بمجتمع قوي متماسك ثابت على قيمه وأخلاقه، فالمخرجات ما هي إلا صورة طبق الأصل من المدخلات وكلما كان التشتت حاصلاً في المدخلات سنواجه نفس الخلل في المخرجات، والبناء الصحيح يكون بالسيطرة على جميع هذه المشتتات وجعلها تتوافق وتنسجم مع بعضها البعض.

لو درسنا تجربة سنغافورة ونهضتها سنعلم أنها لم تأت من فراغ ولا محض الصدفة، إنما جاءت بفضل قدرتها على توجيه سلوكيات المواطنين وقراراتهم، وجعلهم يتبنون أفكار حكومتهم وطريقتها في إدارة نهضتهم، ففي عام 1986، ذكر لي كوان يو (أول رئيس وزراء لجمهورية سنغافورة) في حوار صحفي: «كثيراً ما اتُهمت بأنني أتدخل في الشؤون الخاصة بالمواطنين.

وأنا لا أنكر هذا، ولو لم نفعل ذلك، لما كنا وصلنا إلى هذه المرحلة. ولولا تدخلنا في كل صغيرة وكبيرة من حياتهم، بداية من جيرانهم إلى عاداتهم وسلوكياتهم ولغتهم، لما حققنا هذا التقدم الاقتصادي. نحن نحدد ما هو الصواب».

سنغافورة سيطرت على مدخلات الشعب فأخرجت لنا أكثر دول العالم احتراماً، وليست سنغافورة وحدها من عملت على هذا المبدأ إنما الصين أيضاً فرضت سيطرتها على المجتمع وحولتهم من عشاق للأفيون لمجتمع يعشق العمل، سيطرت على مدخلات عقولهم فأخرجت لنا عقولاً تحترف العمل وأصبحت من أقوى اقتصادات العالم، ولكم أن تبحثوا عن تجارب كثيرة في هذا الجانب أبرزها تجربة فنلندا الأولى عالمياً في مؤشر السعادة.

دائما ما نقول في مجتمعاتنا عند تقويم سلوك الأبناء «مازالوا صغاراً لا يعرفون مصلحتهم»، وكذلك عند الحديث عن المجتمعات يجب أن نتعامل معها تعامل الأب والأم مع طفلهم الصغير، حيث إن المجتمعات لا تدرك بشكل كامل أين تكمن مصلحتها، وما هي التجربة التي يجب أن تخوضها، وهنا يأتي دور الحكومات في تحديد الوجهة والتوجه بتحديد مصادر الفكر المشكل لهذه الجموع من البشر، وتحاول أن تبني أهدافها في هذا المجتمع عن طريق تمرير نفس السياسات في جميع المراحل والأنواع التربوية، وأن تسيطر على التشتت والتضارب دون المساس أو التأثير في الحريات الممنوحة للشعب، لكن يجب أن تتوافق هذه الحريات مع المبدأ العام للدولة وتتماشى مع الأهداف المستقبلية الموضوعة.

المجتمعات العظيمة هي من توحد سياساتها وقنوات مدخلاتها، فإن أردنا أن نصل بمجتمعاتنا العربية والإسلامية إلى العظمة فعلينا توجيه شعوبنا نحو أهدافنا، وأن نبث نفس الرسالة ونفس المنهج في جميع المنابر الإعلامية والدينية والتربوية، في أن نسيطر على مدخلاتهم ونطوعها لخدمة أهدافنا الموضوعة، وأن نرسم مستقبل هذه الشعوب وكيفية الوصول إلى أهدافنا المستقبلية بالطريقة المثلى، فالطاقات المجتمعية يجب أن توجه وتوضع في مكانها الصحيح بعيداً عن أي تضارب مع أي مؤسسة تربوية، وأن تبنى السياسات على مبدأ تقسيم الأدوار بحيث تقوم الأسرة بدورها والمدرسة بدورها والمجتمع بدوره والمؤسسة الدينية بدورها وصولاً لأي مؤسسة متداخلة في بناء المجتمع.

الدول الناجحة هي من تستطيع السيطرة على طاقات أفرادها وتطور قدراتهم مرحلة تلي مرحلة للوصول بشكل كامل لمجتمع قوي متماسك قادر على تحدي الظروف للارتقاء بأن يكون أفضل شعوب العالم وأكثرها احتراماً، فنحن في زمن العبثية فيه مرفوضة والتواكل أمر يجب القضاء عليه لتحقيق أهداف واضحة موضوعة على أجندة معينة وخط سير واضح المعالم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات