من الخاص إلى العام

علمنا الدرس الفلسفي مسألة مهمة جداً في عملية الفهم، ألا وهي الكشف عن الماهية، والكشف عن الماهية يعني تجريد صفة عامة أو أكثر من الخاص والجزئي، وهذا هو معنى العام في الفلسفة، فنحن حين نكتب عن ماهية ما فإننا لا نقصد أحداً بعينه. إننا نتابع الوقائع على الأرض، فإذا تبين لنا أنها وصلت حد التشابه واشتراكها في عنصر ماهوي كتبنا عن الظاهرة العامة.

فإذا تكدر خاطر فرد ما مما نكتب، وظن أنه المقصود من خطابنا، فهذا عائد لوعيه بذاته، وللانطباق الكلي عليه، وليس لنا ذنب في ذلك.

أقول هذا لأن بعضاً من الذين يطلعون على ما نكتب يعتقدون أنهم المقصودون. والحق أن تطابق نصي مع وعيه الذاتي بذاته يجب أن يدفعه إما إلى الصمت أو لتغيير موقفه. أما نحن فلسنا نسعى إلى تكدير خاطره أو خاطر أحد بعينه.

على أية حال أقول للمختلفين عنا ومعنا إننا نمتلك أدوات معرفية ثمينة لا نصرفها على المناكفات والشجارات. والفلسفة التي همها الكشف، ليس من شيمتها إعطاء وثيقة حسن سلوك لهذا الشخص أو ذاك، أو لحجبها عنه.

دعوني أضرب لكم الواقعة الآتية للتدليل على ما نقول.

عرفناهم حداثيين، وخطابهم يلبس فكرة الحرية والتحرر، وها هم يشربون العرق على أنغام البراميل المتفجرة ويصفقون لقصف المدن، ويمجدون القتلة، والميليشيا الطائفية، ولا ينسون شتم داعش والنصرة وما شابه ذلك، ولا تهزهم آلاف صور الأطفال تحت الرماد، ولا الذين قضوا في السجون.

هذه نماذج أظهرتها ما سميت بـ«ثورة الحرية» وفضحت التمرد الزائف القيم.

هذه ظاهرة كيف نفسرها؟

كيف تفسر سلوك أشخاص أودعهم الطاغية السجن سنوات عدة بوصفهم معارضين ومدافعين عن الحرية، ثم حين صرخت الحناجر في الساحات والشوارع مطالبة بالحرية وقفوا إلى جانب الطاغية؟

هذه الواقعة المنتشرة عند عديد من الأفراد المشتغلين بالثقافة تحتاج إلى فهم وكشف العام فيها، أي الصفة الماهوية، بمعزل عن أشكال ظهورها.

السؤال: هل هم صادقون في الحالين؟ أم كانوا كاذبين فيما مضى وها هم الآن صادقون في موقفهم؟

أعتقد أنهم في كلا الحالين صادقون، ففي الحالة الأولى المعبرة عن حداثتهم، ورفضهم للدكتاتورية أظهروا هويةً متمردة، هوية عبرت عن روح الشباب والمراهقة. لقد انتصرت أيديولوجيتهم الثورية على هويتهم المتوارثة، لكن هويتهم المتوارثة لم تزل زوالاً مطلقاً، بل توارت وغطت في نوم مؤقت، وبعد أن بردت أيديولوجيتهم الثورية مع تقدم العمر استيقظت الهوية النائمة المتماهية مع هوية الطاغية، وليس في الأمر ما يدهش.

لقد استيقظت الهوية النائمة إثر إحساسها بخطر على المكانة والمصلحة وفضلات القوة المادية والمعنوية التي كانوا يتمتعون بها كهوية.

ففي هذه اللحظة من تاريخ وعيهم انتصرت الهوية الضيقة والانتماء إليها على الهوية الأيديولوجية الواسعة والكفاح من أجلها.

وحين كشفت الفلسفة عن هذا راحوا يشتمونها ويشتمون صاحبها، لأنهم ليس باستطاعتهم تزييف موقفهم الراهن بأية اعتبارات محمودة.

ولعمري فإن هذه الطريقة في الكشف تصلح لتفسير وقائع كثيرة متشابهة.

ولكن هناك واقعة أخرى تتطلب هي الأخرى فهماً وكشفاً، ألا وهي ظاهرة التناقض بين الخفاء والظهور عند الكائن. نحن هنا نتحدث عن هوية شخص مخفية وظهور هوية علنية مناقضة، ويكون هذا الشخص واعياً لما يقوم به. أجل فإذا كنّا فيما سبق من قول قد أظهرنا صدق المواقف المتناقضة، فإننا هنا، في الحالة الثانية نتحدث عن كذب مقصود وصدق مستور، وعن هذا الأمر سيكون لنا حديث آخر.

* كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات