البطاطا كغذاء سياسي

الحروب تتوقف لكن لا تنتهي، تترك بثوراً على وجه الأرض، جروحاً في نفوس البشر، وندوباً في العلاقات بين الشعوب والدول. فالحرب العالمية الأولى لم تنته بعد بالنسبة لحقل بطاطا في فرنسا، وبالنسبة لمنطقتنا العربية التي ما برحت تُقسم شرائح، مرة بالطول ومرة بالعرض، أحياناً تُقلى بزيت الأطماع الغربية، وأحياناً تحترق بفعل الفتن والخلافات البينية.

فقد تم مؤخراً العثور على قنبلة ألمانية الصنع من مخلفات الحرب العالمية الأولى في شحنة بطاطا أرسلت من فرنسا إلى هونغ كونغ. وأوضح مسؤولون في الشرطة لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي أن القنبلة كانت مغطاة بالطين وبوضع غير مستقر، إذ كان صمام الأمان مسحوباً فيها لكنها لم تنفجر. وتم اكتشاف القنبلة في مصنع لرقائق البطاطا في مقاطعة ساي كونغ الشرقية وقام خبراء المتفجرات بالتعامل معها. ويعتقد أن القنبلة استخرجت من باطن الأرض عن طريق الخطأ مع محصول البطاطا الذي جمع من أحد الحقول الزراعية في فرنسا قبل أن يتم تصديره. وفي العام الماضي أجبر الآلاف على إخلاء منطقة تجارية مزدحمة في هونغ كونغ أثناء قيام الشرطة بنزع فتيل قنبلتين من مخلفات الحرب العالمية الثانية وجدتا في موقع للبناء.

وللبطاطا، غذاء الفقراء ومقبلات الأغنياء، التي غنت لها صباح «بتغديني جبنة وزيتون وبتعشيني بطاطا» حكاية.

يعود الفضل بشكل كبير في شعبية البطاطا إلى ضابط طبيب بالجيش الفرنسي يدعى أنطوان أوغسطين بارمينتييه، الذي كان مشهوراً جداً بالبطاطا في جميع أنحاء فرنسا وأجزاء من أوروبا. خلال حرب السنوات السبع، تم أسره، وكانت البطاطا جزءاً من طعام السجن. في ذلك الوقت، كان الفرنسيون قد استخدموا البطاطا فقط لتغذية الحيوانات ولم يتناولونها أبدًا. السبب في أنهم يعتقدون أنها تتسبب في أمراض مختلفة. و في عام 1748، حظر البرلمان الفرنسي حتى زراعة البطاطا لأنه كان ثمة قناعة بأنها تسبب الجذام. ومع ذلك، أثناء وجوده في السجن في بروسيا، اضطر بارمينتيير لزراعتها وتناولها، ووجد أن الفكرة الفرنسية حول البطاطا لم تكن صحيحة.

عندما عاد إلى فرنسا، بدأ يناصر البطاطا كمصدر غذائي محتمل. وفي عام 1772، أعلنت كلية الطب في باريس أن البطاطا صالحة للأكل، على الرغم من أن بارمينتييه كان لا يزال يواجه مقاومة كبيرة، ولم يسمح له حتى بزرعها في حديقته في مستشفى انفاليدس حيث عمل كصيدلي.

ثم بدأ حملة أكثر جرأة لترويج البطاطا في فرنسا، حيث أصبحت مكوناً من وجبات العشاء لشخصيات بارزة مثل بنجامين فرانكلين، وأنطوان لافوازييه، والملك لويس السادس عشر، والملكة ماري أنطوانيت. كما استأجر حراساً مسلحين لإحاطة بركته بالبطاطا، في محاولة لإقناع الناس بأن ما كان في المنطقة كان قيماً للغاية. ثم يخبر الحراس بقبول أي رشاوى يقدمها لهم الناس ويسمح لهم «بسرقة» البطاطا. في النهاية. وفي مجاعة عام 1785 أصبحت البطاطا شائعة في فرنسا.

وبمجرد أن قبل الفرنسيون البطاطا ارتفعت شعبيتها. وبحلول عام 1795، كانت تُزرع على نطاق واسع جدًا في فرنسا، بما في ذلك الحدائق الملكية في التويلري، حيث تم تحويل الحدائق إلى حقول للبطاطا. في غضون ذلك، اخترع الفرنسيون أو تعلموا إعداد البطاطا المقلية التي أصبحت شائعة للغاية، ولا سيما في باريس، حيث صارت تباع على عربات في الشوارع.

قبل أن تصبح البطاطا مشهورة في فرنسا، كانت الحرب الفرنسية النمساوية التي تُعرف أيضًا باسم حرب الوراثة النمساوية مستمرة، وقد حدث الكثير منها حول بلجيكا الحديثة. لذا فمن المحتمل أن الجنود البلجيكيين قد أدخلوا البطاطا المقلية في هذا الوقت، وبعد بضعة عقود عندما أصبحت مشهورة في فرنسا، قدم هؤلاء الجنود القدامى طريقة التحضير لبقية فرنسا. أو ربما توصل الفرنسيون إلى الفكرة من تلقاء أنفسهم ونشرها في بلجيكا في نفس الوقت تقريبًا؛ أو أن كلاهما طرح الفكرة بشكل مستقل.

يعتقد الفرنسيون أنهم أمهر الطباخين في العالم، كأنهم ربحوا معركة الطعام، وهزموا فيها الأمريكيين والإيطاليين وغيرهم. وهم يحبون أن يذكروا طباخ البيت الأبيض الفرنسي، الذي خدم آخر أربع رؤساء أمريكيين منذ ريغان. إلا أن البطاطا دخلت السياسة حيث منع أحد الرؤساء الأمريكيين تقديم البطاطا على الطريقة الفرنسية إثر الأزمة التي نشبت بين البلدين في السبعينات من القرن الماضي، بسبب وصف مسؤول أميركي أوروبا بأنها القارة العجوز.

الأرض العربية، وخاصة بلاد الشام كانت ذات زمن مخزن قمح العالم. والسودان سلة غذاء العالم العربي. منذ أصبحنا شرائح وشرائع مختلفة أصبحنا نستورد القمح والسودان يعاني التمزق والجوع وغيرهما حدث واعطش!

* كاتب أردني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات