الحراك السوداني ومخططات التحريض

لا يختلف أحد على أن تطوّر الأوضاع في السودان والجزائر وليبيا واليمن وسوريا يؤثر في البيئة الاستراتيجية الإقليمية، ويمثل متغيراً حيوياً لصانعي القرار في المنطقة والعالم، ومن ثم فإن ما يحدث في هذه الدول يبقى، شئنا أم أبينا، موضع اهتمام ومتابعة بقية الدول العربية.

ولاسيما تلك الدول التي تقوم بدور «الإطفائي» في الحرائق الناجمة عن سلوكيات وممارسات بعض اللاعبين الإقليميين الذين يقومون بإشعال الحرائق ونشر الفوضى وتغذية الاضطرابات والعنف وسفك الدماء، سواء من خلال رعاية الإرهاب وتمويل تنظيماته ورعاية قادتها ورموزها، أو من خلال تنفيذ مخطط توسعي طائفي يسعى إلى استغلال لحظة التراجع العربي الراهنة في التمدد الاستراتيجي الذي يتسلل من نوافذ طائفية ومذهبية، هي في حقيقة الأمر بمنزلة قنابل موقوتة يمكن أن تتسبب في إشعال المزيد من الحرائق الإقليمية.

في السودان، على سبيل المثال، حيث يتجه مشهد ما بعد البشير إلى الوضوح، بعد القرارات والخطوات التي اتخذها المجلس العسكري الانتقالي برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان، حيث فتح خطوط اتصال مباشرة مع القوى السياسية السودانية، وطلب تقديم مقترحات وتصورات بشأن المرحلة المقبلة، والاتفاق على شروط رئيس الوزراء المقبل وحكومته المدنية، وبناء توافق حول مدة المرحلة الانتقالية، معرباً عن أمله في توافق القوى السياسية على شخصية وطنية مستقلة لرئاسة الوزراء، ومحدداً مهمته بشكل دقيق في «تهيئة مناخ ملائم لكل الكيانات السياسية السودانية للتنافس في جو شفاف من دون إقصاء لأحد» كسبيل للخروج من الوضع الحالي.

وفي مقابل هذا الطرح، تقدم تجمع المهنيين الذي يقود الاحتجاجات بقائمة مطالب، وبين الموقفين، هناك دعم إقليمي ودولي كبير لما أعلنه المجلس الانتقالي بشأن تحقيق الانتقال السياسي وتحقيق تطلعات الشعب السوداني.

ما يثير المخاوف في حالة الحوار الإيجابية التي سادت المشهد السوداني خلال الأيام الماضية أن هناك تقارير إعلامية تتحدث عن محاولات لاختراق صفوف الحراك الشعبي، والتحريض على التشدد والمزايدة في التعاطي مع المجلس الانتقالي، واستعداء الشعب السوداني على قادته!

الإشكالية الأهم التي تواجه السودان تتمثل في إمكانية انقسام القوى السياسية حول أولويات المرحلة المقبلة، وهو خلاف وارد ومحتمل في ظل فسيفساء الطيف السياسي الذي يتصدر المشهد الاحتجاجي السوداني، حيث تتنوع الأيديولوجيات السياسية والحزبية يميناً ويساراً، فضلاً عن تجمعات المهنيين التي تصدرت الحركة الاحتجاجية منذ بدايتها، ومن ثم فإن المشهد ينبئ بأن القادم أصعب وأن رسم خارطة المستقبل في البلاد مهمة ليست سهلة، وتتطلب تضافراً لكل الجهود الوطنية المخلصة من أجل تحقيق استقرار حقيقي للبلاد.

السودان رقم مهم في معادلات الأمن والاستقرار الجماعي العربي، وابتعاده عن المشروعات التآمرية الإقليمية مسألة مهمة للشعوب العربية، ولا ضمان للاستقرار سوى التركيز على التنمية والبناء وانتشال الاقتصادات من حالة التردي التي وصلت إليها، والابتعاد عن الشعارات والأجندات المشبوهة لتنظيمات الإرهاب والتطرف والمزايدات، التي تتاجر بأحلام ملايين الشباب الذين يحلمون بغد أفضل.

وما يدعو للتحذير من ذلك أن وسائل الإعلام القطرية والإخوانية تحاول بشتى الطرق الترويج لأفكار مغلوطة مثل الربط بين إعلان دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية ترحيبهما بتسلم الفريق عبد الفتاح البرهان رئاسة المجلس الانتقالي العسكري وبين مواقف وسياسات أخرى، وترديد مزاعم مكشوفة تستهدف إفشال الخطوات الجادة التي اتخذها المجلس العسكري الانتقالي، والهدف من هذه المزاعم واضح للعيان، وهو إرباك الجميع وتهيئة الأجواء لقيام تنظيمات الإرهاب بدورها التخريبي التقليدي في شق صفوف الجماهير والتحريض على التشرذم!

وقد بادرت وسائل الإعلام القطرية والإخوانية للتشكيك في نوايا الإمارات والسعودية تجاه ما يحدث في السودان، علماً بأن هناك قوى دولية عديدة أصدرت رد الفعل ذاته، وهو الترحيب بقرارات المجلس الانتقالي العسكري، وتشجيعه على المضي قدماً في مسار الانتقال السياسي، ولكن لأن هناك حالة من التربص بأي موقف سياسي إماراتي أو سعودي، فإن الإعلام القطري والإخواني يحاول بناء سيناريوهات وهمية حول أي ردة فعل من الدولتين، علماً بأن مثل هذه الممارسات لن تنطلي على الشعب السوداني الذي أثبت امتلاكه وعياً سياسياً يفوق بكثير ما يمتلكه القائمون على الإعلام التحريضي في الدوحة وإسطنبول وغيرهما!

وبشكل عام، فإن التجارب علمتنا أن المتربّصين لن يكفوا عن ترديد مزاعمهم، وأن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على وعي الشعوب القادرة على تمييز الخبيث من الطيب، فالاختباء وراء شعارات زائفة لن ينطلي على شعوب تراقب وتتابع بدقة ما يدور من حولها، وتعرف أن هذه الشعارات هي ذاتها التي ترددت أصداؤها من قبل في دول عربية أخرى، ثم سرعان ما انكشفت، وظهر الوجه القبيح للأجندات الخفية.

 

 

طباعة Email