العرب والبحر الأسود

لم يكن إلقاء البحرية الروسية القبض على 3 زوارق حربية أوكرانية أثناء محاولتها عبور مضيق كيرتش شرق شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 2014، حدثاً عادياً، بل كشف أن الصراع بين روسيا والولايات المتحدة لن يتوقف عند حدود الشرق الأوسط وأوربا وشرق آسيا، بل وصل إلى البحر الأسود، وبدأت المناورات والمناورات المضادة في البحر الأسود الذي يمثل أهمية استراتيجية كبيرة للطرفين وللدول العربية لارتباطه بالبحر المتوسط، فما هي آليات موسكو وواشنطن لعزيز خيارات كل منهما ضد الآخر؟ وكيف للدول العربية أن تتجنب خسائر حالية أو محتملة من الصراع في البحر الأسود؟

الصراع على النفوذ في البحر الأسود لا يقتصر على الأساطيل والجيوش، بل يمتد كذلك لمشاريع النفط والغاز، لأن موسكو تصدر عبر هذا البحر أكثر من سبعين مليون طن من النفط، كما أن صادرات أوكرانيا ومعها 4 دول أخرى للغرب والشرق الأوسط تمر من البحر الأسود حتى البحر المتوسط وصولاً للدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، ويعتبر البحر الأسود من البحار الداخلية ويرتبط مع البحر المتوسط عن طريق مضيقى البوسفور والدردنيل وبحر مرمرة، وتطل عليه ست دول هي روسيا، أوكرانيا، بلغاريا، جورجيا، رومانيا، تركيا.

2014

والبداية الحقيقية لهذه المشكلات كانت عام 2014 عندما أعلنت روسيا ضمها لشبه جزيرة القرم التي كانت خاضعة لأوكرانيا، ولذلك تحول مضيق كيرتش الذي يربط البحر الأسود ببحر أزوف إلى مضيق داخلي في الأراضي الروسية، وهنا يمكن فهم التصريحات الأوكرانية التي قالت إن زوارقها كانت تتصرف وفق القانون، لأن أوكرانيا حتى الآن لم تعترف بضم القرم لروسيا، فيما تبرر روسيا موقفها باحتجاز الزوارق بأنها دخلت المياه الخاصة بروسيا.

ووفق اتفاقية مونترو التي تم توقيعها عام 1936 يمكن للسفن الحربية التابعة للدول المطلة على البحر الأسود أن تتحرك بدون قيود، أما السفن الحربية التابعة لدول من خارج حوض البحر الأسود فتحتاج إلى موافقة من الدول التي تطل على البحر الأسود، لكن بعد حادث احتجاز الزوارق الأوكرانية أعلن حلف الناتو أنه لن يخضع «للابتزاز الروسي» واتهم روسيا بعرقلة حرية الملاحة في البحر الأسود، على الجانب الآخر ترى روسيا أن موقفها حول الملاحة يتوافق مع القانون الدولي، وأنها ستواصل بحزم إحباط أي محاولات لعبور مضيق كيرتش بشكل مخالف للقانون وفق بيان للكرملين.

فما هي المسارات التي يمكن أن يسلكها كل طرف في الفترة القادمة؟

أولاً: تتمثل خيارات الولايات المتحدة وحلف الناتو في السعي لتأمين مرور السفن الأوكرانية عبر مضيق كيرتش شرقي القرم، وتوسيع نطاق عمليات الاستطلاع الجوي في البحر الأسود، وطالما نظر الناتو لأوكرانيا باعتبارها مرشحة للانضمام للناتو، فمن المتوقع أن تكون المياه الإقليمية الأوكرانية ميداناً لعمليات الحلف، وأن الحلف قد يسرع بضم أوكرانيا للناتو، كما يمكن لقوات الناتو القيام بتدريبات شبيهة بما فعلته إنجلترا وفرنسا وتركيا في فترة 1953-1956 حينما أنزلت قواتها على ساحل القوقاز، وفي إطار الخيارات الأمريكية أيضاً يمكن دعم الناتو لأعداء موسكو من خلال دعم جورجيا وبلغاريا ورومانيا للوقوف أمام الطموحات الروسية في البحر الأسود

ثانياً: يقوم الخيار الروسي على تعزيز قدرات الأسطول الروسي في البحر الأسود الذي تأسس عام 1941 والذي يمتلك نحو 45 سفينة حربية، ويعمل في الأسطول نحو 25 ألف ضابط وبحار، بالإضافة إلى 20 ألف خبير مدني، كما يعيش في سيفاستوبول أكثر من 27 ألفاً من قدامى البحارة الروس، بالإضافة إلى تفعيل القاعدة الروسية الجديدة في ميناء نوفوروسيسك، وبناء مجموعة من المطارات الجديدة تربط مناطقها المشاطئة للبحر الأسود، وتحديث مجموعة من الموانئ في هذه المناطق.

ثالثاً: على الدول العربية أن تراقب ما يحدث في البحر الأسود، فمن المؤكد أن اندلاع أي صراع بين الناتو وروسيا سوف يؤثر على حركة تدفق السلع والبضائع بين موانئ البحر الأسود والموانئ العربية خاصة في البحر المتوسط، ولذلك فإن تهديد أمن البحر الأسود يترتب عليه تهديد مصالح الدول العربية ذات العلاقات والروابط الوثيقة مع الدول الست المطلة على البحر الأسود، وهذا يفرض على الدول العربية التي تستورد سلعاً استراتيجية مثل القمح والحديد من روسيا وأوكرانيا وتمر عبر البحر الأسود أن يكون لديها مصادر أخرى احتياطية لهذه السلع حال نشوب صراع مسلح في البحر الأسود.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات