عن الفلسطيني الحائر في إسرائيل

أبرزت نتائج انتخابات الكنيست الحادي والعشرين أن حال فلسطينيي 1948 يكاد يحاكي حال أروميتهم الفلسطينية الوطنية والعربية القومية: تباينات ايديولوجية وفكرية؛ تدافع طبقي اجتماعي؛ اختلافات في المصالح لأسباب اقتصادية ومناطقية جغرافية؛ وانقسامات وانشقاقات حزبية سياسية؛ زعامات بينها تلاوم مستمر وشكوك متبادلة؛ ضبابية في الرؤية تجاه التعامل مع نخب الحكم والسيطرة الصهيونية.

ذلك ومثله أدى عزوف الناخبين العرب عن المشاركة؛ وضعف التصويت عندهم إلى معدل بلغ بالكاد 50% قياساً بنحو 66% في انتخابات العام 2015.

ثم إن هذا المعدل كان أقل بكثير من المعدل العام للتصويت بين الإسرائيليين (68%). وبالتداعي هبط تمثيلهم في الهيئة النيابية الإسرائيلية العتيدة إلى عشرة أعضاء مقارنة بثلاثة عشر في الكنيست العشرين.

علاوة على ذلك يظل الجديد الأكثر إثارة للحفيظة، دخول شريحة كبيرة نسبياً من نشطاء الحركات السياسية والناخبين العرب في حالة من العوار أو «الحول» الايديولوجي؛ ساقتهم إلى ابرام شراكات وتحالفات مع بعض الأحزاب الصهيونية القحة.

وقد كانت المحصلة تصويت زهاء 30% من الناخبين العرب لصالح هذه الأحزاب. وضعية كهذه لم تحدث بهذا الزخم خلال العشرين عاماً الماضية. تقول تمار زندنبرج زعيمة حزب ميرتس، المحسوب زوراً على اليسار واليسارية «الأصوات العربية أنقذت حزبنا.

ومن الآن فصاعداً لن يتمكن اليسار من الصعود بدون هذا الدعم ). والحق أن هذا التشخيص مناسب لمقتضى الحدث، فقد أسند العرب هذا الحزب بنحو 40 ألف صوت مقابل 12 ألفاً في جولة الانتخابات السابقة.

من الغرابة بمكان أن «اليسار الصهيوني»؛ الذي لا ندري كيف يكون يساراً وصهيونياً في آن واحد، أصبح يعتمد على العرب بدلاً من حدوث العكس. كان الأولى بهؤلاء الأخيرين، مرشحين وناخبين، السعي الحثيث إلى معالجة قصورهم الذاتي وإزالة ما بينهم من أسباب للفرقة والخصومة، بدلاً من مساعدة معسكر فاشل آيل إلى الضمور والاضمحلال.

علماً بأن الواقع والخبرة يؤكدان أن الأحزاب الصهيونية بكل مسمياتها ومواصفاتها، لم ولن تقدم شيئاً فارقاً مفيداً للعرب.

وليس من العقلانية حدوث تحول ايجابي في هذا الإطار، لاسيما بعد أن انحاز هذا «اليسار» إلى جانب قانون القومية اليهودية؛ الذي يشرعن التمييز العنصري ويقوننه في عموم إسرائيل ضد غير اليهود.

انخفاض معدل مشاركة العرب في هذه الجولة الانتخابية، بالتوازي مع ارتفاع نسبة المصوتين منهم للأحزاب الصهيونية في عقر عدد من البلدات العربية، إلى ثماني مرات مقارنة بالجولة السابقة، يوحي باعوجاج خطير في بوصلة فلسطينيي الداخل.

كان المنتظر والمتوقع أن يؤدي صدور قانون القومية المنكود، إلى مزيد من الاصطفاف والتوافق بين ممثلي هذه الشريحة وقواها السياسية من جهة، وإلى زيادة معدل انخراطها في العملية الانتخابية لتعزيز قوتها وتأثيرها في موازين القوى النيابية من جهة أخرى. لكن ذلك لم يحدث بالمطلق.

ربما كانت هذه المعطيات المستجدة أبرز مفاجآت الانتخابات الأخيرة. وبشيء من المبالغة، يجوز الاعتقاد بأن فلسطينيي الداخل وقعوا ضحية الملل والضجر والمخاوف، على خلفية واقع السيولة السياسية الذي يعيشونه راهناً واللايقين الذي يحلق في أفق مستقبلهم.

كذلك فإنه من غير المستبعد أن تكون العوارض والنذر السلبية لما يجري من حولهم في المحيطين الفلسطيني والإقليمي العربي، قد نالت من عزيمتهم وأوهنت ثقتهم التقليدية في أنفسهم.

وفي سياق مقبض كهذا، ربما آثر بعضهم الانغماس أكثر في صلب الجانب الصهيوني الإسرائيلي من العملية السياسية، والتطبيع مع الأحزاب التي يأنسون فيها شيئاً من الليونة والانفتاح عليهم. لعل لسان حالهم يقول بأنه إذا كان خلقاً متزايداً في هذين المحيطين، باتوا يميلون إلى ما يوصف بالتطبيع مع إسرائيل، فقد نكون أولى منهم بذلك باعتبارنا نعيش تحت جلدها ونتأثر مباشرة بما يعتمل في أحشائها.

نأمل بقوة في ألا يكون هذا التصور أو التحليل الافتراضي صحيحاً. فالرهان على اعتدال بعض الأحزاب الصهيونية أو مرونتها واستجابتها لمطالب المجتمع العربي، ناهيك عن ديمقراطيتها وإمكانية إحداث اختراقات لصالح العرب من خلالها، قضية تأكد فسادها منذ أمد بعيد.

ولا يحمل المستقبل بكل آجاله أي احتمالات مغايرة. خيارات الناخبين الصهاينة وتفضيلاتهم الحزبية؛ التي آثرت بأغلبية ظاهرة اليمين المتطرف والأكثر تطرفاً؛ تقول ذلك وزيادة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات