وسائل التواصل والعلاقات الأسرية

لا شك بأن الكثير من علماء الاجتماع قد حذروا منذ زمن بعيد من التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي على العلاقات الأسرية وما قد تسببه من تفكك وانحراف وقيم سلبية أخرى.

ولا شك بأن بعضاً من مستخدمي هذه الوسائل قد أدركوا منذ زمن التأثيرات السلبية لتلك التقنيات عليهم وعلى محيطهم الأسري، وعلى الرغم من ذلك إلا أنهم ماضون في استخدامها لأنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة العصرية ومتطلباتها.

الوظيفة التي من أجلها أطلقت هذه الخدمة هي تقريب المسافات وخلق تواصل اجتماعي بين المستخدمين، ومن هنا جاءت تسميتها. إلا أن تلك الوسائل ما زال لها دور سلبي كبير على الأواصر الاجتماعية، وانعكاسات كبيرة على الأسرة ودور رئيس في التفكك الأسري وفي نقل عادات وسلوكيات خاطئة، خاصة لمستخدميها من الصغار.

التفكك الأسري والانفلات الذي يعاني منه بعض الشباب والتقليد الخاطئ والأعمى وتمرد الأبناء على دور الأسرة وتمرد الفتيات على الرقابة الأسرية كلها تأثيرات يستمدها الشباب من هذه الوسائل التي تظهر التمرد وكأنه شجاعة والتقليد بأنه براعة ومهارة، وتظهر القيم الأصيلة وكأنها تأخر ورجعية.

فتلك الوسائل تملك من التأثير الشيء الكثير، ولهذا فهي متهمة بأنها سبب في ذلك الانفلات الذي يعاني منه الشباب. فهي لا تعزز القيم الأسرية، بل تظهرها وكأنها قيم سلبية وتربط الشباب بمفاهيم وقيم موجودة فقط في العالم الافتراضي، كما تشجع الشباب على التقليد الأعمى خاصة عندما تقدم لهم نماذج من الأبطال الخارقين أو الافتراضيين وتجعل منهم أبطالاً حقيقيين.

من جهة أخرى، فقد اخترقت تلك الوسائل الخصوصية الأسرية إلى حد كبير، فهي تؤثر في علاقات الصداقات وتضيّع وقت الكثيرين. فانكفاء الأبناء في البيت الواحد كل على جهازه وانعزاله عن أقرانه هو دليل على التأثير السلبي لتلك التقنيات. كما أن تلك الوسائل هي أداة لنشر الشائعات والأخبار المغلوطة التي غالباً ما يعاد تداولها.

البعض يقول، بأن ما يحدث في عالمنا الحالي من اختراق التقنيات الحديثة للخصوصية الأسرية والعلاقات الاجتماعية هو تأثير لا بدّ منه في ظل الظروف الحالية التي يمر بها العالم. فالعالم ككل قد أصبح يخضع لنفس الظروف، ويعيش تحت نفس التحديات، وبما أننا جزء من العالم، إذاً ما يحدث لنا هو شيء متوقع.

إن شريحة مجتمعية كبيرة مرتبطة كل الارتباط بتلك التقنيات التي أصبحت جزءاً مهماً من حياتنا ولا نستطيع العيش بدونها. فتلك التقنيات الحديثة قد أصبحت عصب الحياة خاصة مع انتقال الحكومات إلى الذكاء الاصطناعي وجعله محور حياتنا العملية والمهنية.

الإحصائيات الأخيرة في دولة الإمارات تفيد بأن أكثر من 99% من عدد السكان البالغ عددهم تقريباً 10 ملايين يستخدمون بشكل أو بآخر تلك التقنيات بمعدل 3 ساعات يومياً للتواصل الاجتماعي. هذا الأمر يجعلنا في حاجة ماسة لإجراء المزيد من الدراسات لمعرفة التأثيرات السلبية لهذه الظاهرة وانعكاساتها على الأسرة والمجتمع ككل. فعدد لا بأس به من الظواهر الاجتماعية في مجتمعنا اليوم أصبحت مرتبطة بوسائل التواصل واستخداماتها الخاطئة.

فقد لوحظ في الآونة الأخيرة ارتفاع نسبة الجريمة الإلكترونية والجرائم المرتبطة باستخدام التقنيات الحديثة. فالبعض ما زال يجهل بأن الجريمة التي يرتكبها من خلال استخدام التقنيات هي جرائم فعلية لها كل أركان الجريمة العادية ويعاقب عليها القانون. فجرائم الخطف والتهديد تتم بسهولة، بل وترتب عبر تلك الوسائل. فتيات صغار يغرر بهن الأمر الذي يدفعهن إلى التمرد على التقاليد الأسرية والخروج عن عادات وتقاليد المجتمع.

بالإضافة إلى ذلك فالسب والشتم من خلال استخدام وسائل التواصل هو جريمة ودليل يعتد به أمام القضاء. ولا يخلو يوم من خبر عن جرائم التقنيات، الأمر الذي يجعل من تلك الجرائم جرائم فعلية لمعاقبة المخالفين.

العالم السيبراني في تقدم، ولا شك بأن هذا التقدم ينعكس على الفرد والأسرة، والإمارات ليست بمعزل عما يحدث في العالم. ومن هنا يأتي دور الرقابة الرسمية والرقابة داخل الأسرة. ولكنّ التطوّر الهائل الحاصل في هذا المجال يجعل من الرقابة الرسمية أمراً في غاية الصعوبة.

ومن هنا يأتي دور الرقابة الأسرية التي قد تحد من خطر التأثير السلبي للتقنيات الحديثة على النشء والتأثير سلباً على الروابط الأسرية. فبدون تلك الرقابة لن يستطيع النشء مواجهة تلك الوسائل منفرداً، بل سوف يقع فريسة سهلة في يد تلك التقنيات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات