هل تستغني روسيا عن إيران؟!

على كثرة ما كتب وحكي في موضوع حراك الدبلوماسيين الروس في المنطقة، آخرها زيارة سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا الاتحادية إلى الأردن ومصر، والتي انتهت منذ يومين، إلا أنه ما زال هناك اعتقاد أن القصة الحقيقية في هذا الموضوع لم يتم روايتها بعد، خاصة فيما يتعلق باللاعبين الإقليميين في المنطقة وتحديداً حول حليفها الاستراتيجي إيران الذي أصبح مزعجاً لخططها الاستراتيجية لعودتها إلى المنطقة من خلال البوابة السورية، فالجزء الغامض وغير الواضح في القصة السياسية أكبر بكثير مما هو واضح على سطحها.

كان إعلان روسيا عن تسليمها لإسرائيل رفات أحد جنودها المقتولين في لبنان وبمساعدة من الأصدقاء السوريين بمثابة نقطة تحول استراتيجي في تراجع رهان روسيا عن الاستعانة بالنظام الإيراني في حل الأزمة السورية التي بينت أطماعها في سوريا بعد الإعلان الأمريكي عن نيتها في الانسحاب من سوريا قبل فترة، الأمر ينطبق أيضاً على تركيا، وإن كان بنسبة أقل، وأن إسرائيل باتت في صلب معادلة الحل السوري ليس فقط من أجل الحفاظ على أمنها الوطني ولكن في إعادة ترتيب القوى السياسية في المنطقة، وعلى هذا الأساس سيشهد مؤتمر آستانا المزمع عقده هذا الشهر الكثير من التساؤلات والتغييرات.

تعرف السياسة الروسية المتمثلة في رئيسها، فلاديمير بوتين، الساعي هو ووزير خارجيته إلى إعادة روسيا إلى دورها الدولي وفي تحقيق هدف طالما شغل ذهن الاستراتيجيين الروس في إيجاد موقع قدم لهم في المنطقة بأنها تتسم بالبراغماتية، وبالتالي لا يرى حرجاً في التخلي عن إيران وسياستها التخريبية في المنطقة لأنها لا تسعى إلى تهدئة الأوضاع أو إيجاد حلول حولها بل والدخول في منافسات مع الدول الكبرى في النفوذ، والشيء الرائع أن النظام الإيراني بدأ يدرك تلك النظرة الروسية ويبدي قلقه، خاصة بعد الجولات المتكررة في المنطقة، التي يروج لها لأسباب اقتصادية ولكن الجانب الاستراتيجي والخاص بخلق توازن مع إيران وتركيا هما الأساس.

الادعاء بالإحاطة بكل ما تخطط له روسيا في المنطقة فيه الكثير من عدم الصحة، لكن ما توفر بعض المؤشرات من معلومات تقول إن تحركها ليس بريئاً، لأن إخضاع هذا التحرك الدبلوماسي النشط والمتكرر إلى الرغبة في تطوير العلاقات الاقتصادية «وإيجاد حل» لأزمات المنطقة فيه شيء من التبسيط السياسي خاصة مع دولة تسعى من عقود للتواجد في المنطقة وعندما حانت لها اللحظة المناسبة وجدت حليفها الاستراتيجي يقف حجر عثرة أمام طموحاتها، بل إنه لا يقبل أن يتزحزح ولا يسعى لتقديم تنازلاته من أجل ترتيب أوراقه، وبالتالي يكون من الطبيعي إعادة ترتيب الحلفاء حتى ولو كانوا في خندق واحد في مسألة سوريا، لأن هناك موقفاً دولياً سلبياً ضد تصرفات النظام الإيراني في سوريا والمنطقة، وبالتالي البراغماتية الروسية تكون هي الحل المناسب لأن الاستمرار معه قد يمثل خسارة لروسيا نفسها.

التقدير السياسي لما يحدث في المنطقة أن روسيا كما غيرها من دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بأنه لا مجال لإيجاد حلول للأزمات في المنطقة دون وضع حد للطموحات الإيرانية القائمة على التمدد في الدول المجاورة، كما لا مجال للتأثير على طريقة التفكير الاستراتيجي للتموضع في المنطقة من خلال التنافس مع حليفها في النفوذ في سوريا، والتالي يكون من الأفضل التخلص من إيران، بل إن الإبقاء على علاقة روسيا بها قد يورطها مع الدول العربية التي ضاقت ذرعاً بالتدخلات الإيرانية.

هناك قناعة روسية بإمكانية تحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة والتي واحد منها القضاء على التنظيمات المتشددة والتي لها امتداد مع الدول المجاورة لروسيا إذا ما تم وضع حد للتحرك الإيراني في المنطقة بالاستعانة بعدوها إسرائيل، كما لدى العرب اعتقاد جازم بأن بداية الحلول لما يحدث فيها من أزمات وانشقاقات يكمن في عزل النظام الإيراني، فهو النظام الوحيد في العالم الذي يحصل على «الأكسيجين» من الفوضى والإرهاب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات