شكراً ويلهلمينا.. شكراً جوان.. شكراً ماريان

ما الذي يعنيه أن تقرر فتاتان أوروبيتان ترك الحياة المرفهة التي تعيشانها في بلديهما، وتأتيان إلى منطقة تجهلانها قبل أكثر من نصف قرن؟ هذا هو السؤال الذي لا يستطيع الإجابة عليه سوى الهولندية ويلهلمينا فان ديويغ وزميلتها البريطانية جوان، اللتين جاءتا إلى هذه المنطقة قبل ٥٥ عاماً، وعاشتا فيها، وأشرفتا منذ أن قدمتا إلى المنطقة، وحتى وقت قريب، على توليد نساء كثيرات في الفجيرة ومسافي ودبا ومربح وقدفع ومدحا وكلبا وبعض مناطق سلطنة عمان القريبة.

تتذكر ويلهلمينا، في التقرير الذي أعده أحمد الهوتي، مراسل نشرة «أخبار الإمارات» بتلفزيون دبي، وعرضه التلفزيون الأسبوع الماضي، كيف أبحرت هي وزميلتها جوان على متن سفينة، حيث لم تكن هناك طائرات تصل المنطقة، حملتهما من لندن إلى الرباط في المغرب، ثم زبراطة في تونس، لتدور حول القارة الأفريقية، وتمر بكراتشي ومسقط قبل أن تصل إلى دبي.

ومن دبي بدأتا رحلة برية في سيارة لاندروفر، عبرتا خلالها الشارقة وعجمان وفلج المعلا ووادي سيجي، قبل أن تصلا الفجيرة. وتروي كيف أنهما اكتشفتا بعد ساعة من المسير في الوادي أنهما تعودان للمكان نفسه، فقامتا بوضع أحجار وعلب فارغة في الطريق، كي لا تعودا إلى النقطة التي بدأتا منها.

تحدثنا ويلهلمينا، في التقرير التلفزيوني، عن الأسباب التي جعلتها تأتي إلى هذا الجزء الذي كان مجهولاً لديها قبل أكثر من نصف قرن، فتقول إنها علمت بوجود نقص في الكوادر الطبية في هذه المنطقة التي لا تعرف شيئاً عنها، فقررت هي وزميلتها جوان المجيء بدافع إنساني.

وأضافت أنها تحمل من هولندا شهادة «قابلة» تؤهلها لتوليد النساء دون طبيب، لكن أهالي المنطقة أصروا على تسميتها الدكتورة منى، رغم أنها أفهمتهم أنها ليست طبيبة. وتتحدث بحب عن الأهالي الذين تعتبر نفسها واحدة منهم، تدخل بيوتهم في أي وقت تريد، لأنهم «فهمونا وفهمناهم» وفق قولها. ويلهلمينا، التي ناهزت السبعين عاما، تعيش في بيت بسيط، وترتدي الزي المحلي، وتتحدث اللغة العربية باللهجة المحلية. ولولا ملامحها الأوروبية، واللكنة التي تتحدث بها، لحسبتها واحدة من نساء هذا البلد.

بعد مشاهدة التقرير نعود لنسأل: لماذا ضحت ويلهلمينا وجوان وأمثالهما بالحياة الهانئة التي كن يعشنها في أوطانهن، ولماذا أتين إلى أماكن لا يتوفر فيها الحد الأدنى من أساسيات الحياة، في زمن لم تعرف فيه هذه المنطقة من العالم النفط، ولا التعليم، ولا الرفاهية التي نراها ونلمسها اليوم؟

الإجابة نجدها عند هؤلاء الذين جاؤوا إلى هنا في تلك المرحلة، وهي غالباً ما تكون بسيطة، فيها الكثير من إنكار الذات، لكن المؤكد أن ثمة دافعاً قوياً، لا علاقة له بالماديات، هو الذي جعل ويلهلمينا وجوان وأمثالهما يتركن أوطانهن، ويأتين إلى هذه المنطقة في زمن اليباب، مختارات الحياة القاسية التي كان يعيشها سكان هذه المناطق على رغد العيش الذي كن ينعمن به ويرفلن فيه.

ولعل خير من أجاب على هذا السؤال ويلهلمينا التي تحدثت في التقرير التلفزيوني بعفوية عن حبها لأهالي المنطقة، واندماجها في المجتمع، إلى الدرجة التي جعلتها ترتدي زي نساء الإمارات، وتُجري على لسانها الكثير من مفردات لهجة أهلها، وتحفظ أسماء مدنها وقراها، كأنها مولودة على هذه الأرض، لم تغادرها منذ لحظة الولادة، وحتى السبعين التي ناهزتها، وما زالت الأمنيات تراودها في رؤية الأفضل لأهل هذه المنطقة الذين أحبتهم، فبادلوها حباً بحب.

ومثلما يتذكر أهالي الفجيرة والمناطق المجاورة لها ويلهلمينا وزميلتها جوان، يتذكر سكان مدينة العين الدكتورة ماريان كيندي، التي جاءت إلى المنطقة، مع زوجها بات كيندي، في أوائل الستينيات من القرن الماضي، وأسسا مستشفى «الواحة» بمدينة العين، حيث عُرِفت الدكتورة ماريان باسم «ماما لطيفة».

وقد كانت شاهد عيان على ولادة عدد كبير من أبناء وبنات المدينة، كما تقول في مذكراتها التي تروي فيها أنها قد جاءت إلى الإمارات قبل قيام دولة الاتحاد، حيث كانت الحياة بسيطة، والبيوت من الطين وسعف النخيل، والنساء يحضرن الماء من الأفلاج على رؤوسهن، والسوق عبارة عن غرفة صغيرة، ولم تكن هناك شوارع، وكان الطريق من دبي إلى العين يستغرق 8 ساعات.

وقد التزمت (لطيفة) بالزي الإماراتي في ملابسها، وأكدت في مذكراتها أن علاقتها بشعب الإمارات لن تمحى من الذاكرة، وأنها قد أفنت عمرها وشبابها بينهم، وأكلت من طعامهم، وحضرت أعراسهم، وولّدت أبناءهم، وعالجت مرضاهم، وكانت تتمنى لو أنها استطاعت البقاء أكثر بينهم، إلا أن للعمر أحكاماً اضطرتها للمغادرة إلى موطنها، حيث توفيت في شهر يوليو من عام 2008 في مدينة كارميكايل بولاية كاليفورنيا الأمريكية، ونعتها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك بكلمات مؤثرة.

وكان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، قد كرمها عام 2005 في النسخة الأولى من جائزة أبوظبي، وسلمها الجائزة بيده، مستذكراً أن سموه من مواليد مستشفى «الواحة» الذي أسسته الدكتورة ماريان كيندي وزوجها.

مثل هؤلاء تركوا حياة الرفاهية، وجاؤوا إلى مناطق كانت مجهولة بدافع إنساني بحت، وأفنوا زهرة شبابهم في خدمة أبناء هذه الأرض، قبل أن تعرف الرفاهية التي تنعم بها اليوم. لذلك نقول لهم شكراً في عام التسامح الذي تروي شجرته مثل هذه الحكايات، وتمدها بأسباب الحياة كل يوم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات