«نورد ستريم 2» وإيران

لا شك أن سعي ألمانيا لاستيراد مزيد من الغاز الروسي عبر خط الأنابيب الجديد «نورد ستريم 2» سيضاعف الخلافات الألمانية الأمريكية التي تمر بحالة من «عدم اليقين» السياسي والتجاري نتيجة لسقف المطالب العالية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، فإلى أي مدى سيوسع «نورد ستريم 2» فجوة الخلافات الألمانية الأوروبية ؟ وهل يعني ذلك برداً وسلاماً على العلاقات الروسية الأوروبية ؟ وما علاقة إيران بهذه الصفقة التي تتمسك بها برلين، وتسعى واشنطن من خلال حلفائها الأوروبيين لوقفها أو على الأقل محاصرتها؟

أولاً: هناك إصرار ألماني على تنفيذ خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» الذي يعبر بحر البلطيق ويمر في 5 دول هي روسيا وفنلندا والسويد والدنمارك وألمانيا، وينقل الخط 55 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وتشارك روسيا في المشروع بـ50%.

بينما تساهم شركات أوروبية بـ50% الأخرى بتكلفة إجمالية 11 مليار يورو، وبطول 1200 كيلومتر وسيبدأ العمل به بنهاية العام الجاري، ويعود التمسك الألماني بخط «نورد ستريم 2» لإدراك برلين أن الدافع الرئيسي وراء الاعتراض الأمريكي «تجاري» وليس أسباباً سياسية أو عسكرية، فالولايات المتحدة ترى في السوق الأوروبية عامة، والألمانية خاصة فرصة لتصدير الغاز الأمريكي في المستقبل.

كما تتخوف ألمانيا من تراجع واردات الغاز نتيجة المشاكل المتفاقمة بين روسيا وأوكرانيا بسبب قضية القرم والحرب في إقليمي دونباسك ولوجانسك شرق أوكرانيا، كما زاد استهلاك ألمانيا وحدها من الغاز بنسبة 22 % من 2014 حتى 2017. وتعد روسيا المورد الأساسي للغاز لأوروبا.

حيث تزودها بنحو 40% من حجم واردات دول الاتحاد الأوروبي، ونصيب ألمانيا 50 % من الواردات الأوروبية، ووصلت إمدادات الغاز الطبيعي الروسي لأوروبا إلى أعلى مستوياتها في عام 2018، حوالي 200 مليار متر مكعب، ومن المتوقع أن تزداد إلى 205 مليارات متر مكعب بنهاية هذا العام، وتضاعف القلق الألماني من عدم ضعف وصول الغاز إلى أوروبا بعد أن تراجع إنتاج هولندا من الغاز في الفترة الأخيرة بسبب خطر حدوث الزلازل نتيجة سحب الغاز من بطون الأرض، وسوف تضطر هولندا إلى خفض إنتاج حقل جرونينجين للغاز من 53 مليار متر مكعب هذا العام إلى 12 مليار متر مكعب عام 2022.

كما أن حقول النرويج ثاني أكبر مورد للغاز لأوروبا بعد روسيا تتجه للنضوب باستثناء حقل «ترول» الذي يستطيع أن ينتج 35 مليار متر مكعب من الغاز في السنة، ولكنه لا يستطيع أن يزيد الإنتاج لمحدودية سعة الأنابيب، بالإضافة إلى أن الجزائر وهي المورد الثالث للغاز لأوروبا أبلغت المستوردين بأنها قد تتوقف عن تصدير الغاز بشكل كامل بسبب ارتفاع الطلب المحلي.

ثانياً: يقوم الموقف الأمريكي الرافض لخط «نورد ستريم 2» على أن خط الغاز سيمثل دعماً أوروبياً غير محدود لروسيا ليس فقط على المستوى الاقتصادي بل على المستويين السياسي والاستراتيجي، حيث سيشكل خط الغاز الجديد «مساحة ابتزاز» روسية جديدة ضد الدول الأوروبية، ويرى الرئيس ترامب أن روسيا استغلت الأوروبيين في خط الغاز الذي يمر عبر أوكرانيا،.

وأن الخط الجديد هو دعم لروسيا في ضمها لشبه جزيرة القرم، وتهديداتها المستمرة ضد دول بحر البلطيق الثلاث، ودائماً ما يتساءل الرئيس ترامب عن عدم دفع الأوروبيين ما يكفي لحلف الناتو، فهو يريد 2.5 % من الدخل القومي الأوروبي، بينما في نفس الوقت تدفع ألمانيا مليارات الدولارات لروسيا التي تنافس الناتو.

ثالثاً: وسط الإصرار الألماني والرفض الأمريكي يبدو أن «صفقة الشرق الأوسط» هي المخرج للخلاف بين برلين وواشنطن، وتجلى ذلك عندما عرضت المستشارة ميركل في القمة العربية الأوروبية في شرم الشيخ صفقة على الرئيس ترامب تقوم على إبقاء المساهمة الألمانية في الناتو عند 1.5 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي الألماني، ورفض التدابير التمييزية ضد المنتجات الألمانية مقابل تخلي ألمانيا وبعد ذلك أوروبا عن اتفاق (5+1) مع إيران، حيث قالت ميركل في هذا الخطاب يوم 25 فبراير الماضي:

على الرغم من التزاماتنا بالصفقة النووية، إلا أنه يلاحظ للأسف «الاتجاهات العدوانية» في سياسة إيران. وهو ما أرسل رسالة واضحة لواشنطن بأنه يمكن إعادة النظر في «الالتزام» الألماني بالصفقة النووية مع إيران مقابل تمرير واشنطن لخط «نورد ستريم 2».

* كاتب متخصص في العلاقات الدولية

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات