سوريا الدولة والشعب

حين يحذر الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القمة العربية الثلاثين التي عقدت في تونس، من القادم من الإدارة الأمريكية حول الوضع في المنطقة، ويشير إلى قرار الرئيس دونالد ترامب في قرار ضم هضبة الجولان السورية المحتلة لتكون ضمن الأراضي الإسرائيلية، فإن الأمر ينبغي لنا الانتباه له، وأن نقلق من أن تتحول سوريا التي غابت عن القمة الأخيرة، إلى فلسطين جديدة.

مشكلة الدولة الفلسطينية لا تكمن أو تقتصر في الاحتلال الإسرائيلي، رغم كل التأثيرات والمآسي، وإنما التدخلات الإقليمية والدولية وكذلك المزايدين من السياسيين في الإقليم عليهم النصيب الوافر إن لم يكن الأوفر، والأمر الذي لن يختلف كثيراً في سوريا لو استمر التراجع العربي عن إنقاذها والانتباه لما يحصل فيها والوقوف معها.

إن الذي يجري في سوريا الآن من تفاصيل يذكرنا بما حدث مع فلسطين قبل مائة عام تقريباً عندما قرر وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر بلفور منح فلسطين لليهود، وبقي التاريخ يذكرنا كشعوب عربية مأساة العرب والحروب التي خاضتها ليس لاسترجاع الأراضي وإنما لمحاولة الوصول إلى تسويات سياسية حولها، واليوم يأتي الرئيس الأمريكي ليعلن هضبة الجولان الاستراتيجية أرضاً إسرائيلية.

هناك تحفظ عربي على إدارة النظام السوري للأزمة التي يعيشها مع شعبه المطالب بحقوقه الاجتماعية والاقتصادية المشروعة، وبلا شك لا يوجد إنسان عاقل يقبل أن يتصالح أو يوافق على ما فعله نظام بشار الأسد في الشعب السوري، سواء من خلال الاستعانة بقوات الحرس الثوري الإيراني لقتله وانتهاك حقوقه الوطنية والإنسانية، أو إجباره لهم على الهجرة الجماعية في رحلات محفوفة بالمخاطر، بعضها لا يكتب لها النجاح، لكن علينا كعرب عندما نتعامل مع سوريا أن نفرق بين الشعب الدولة وبين النظام الذي بلا شك سيرحل يوماً بعد ما فعله في شعبه.

سوريا الدولة والشعب حافظت يوماً ما على السيادة العربية ودافعت عن مصالح النظام الإقليمي العربي، بل وشاركت في تأسيس نظامها السياسي (الجامعة العربية)، لذا لا ينبغي أن نتركها أو نتجاهل الهموم التي تعيشها، على الأقل من ناحية الدفاع عنها ولو بالقرارات.

اختيار النظام السوري للنظام الإيراني في مواجهة شعبه هو السبب الرئيسي والأهم في تعقيد الأزمة مع العرب وعدم الوصول إلى حلول، لأن استمرارية الأزمة تحقق لها البقاء والتمدد ليس في سوريا فقط، ولكن في العمق العربي أيضاً.

لذا فقد آن الأوان لأن نستدرك سوء الفهم حول التراجع عن دعم سوريا الذي يعتقده البعض ويحاول أن يقنع به الآخرين أنه دعم للنظام، فإعادة العلاقات معها أو استضافتها في الملتقيات العربية أو على الأقل الدفاع عن مصالحها مثل قرار ترامب الأخير ضد الجولان هو دعم للأمن القومي العربي وللكتلة السياسية العربية، فسوريا أحد الأضلع العربية الثلاث بجانب مصر والعراق المعروفة تاريخياً.

المحير في القضية السورية ليس فقط غياب سوريا، ولكن تغييب أو تغيب العرب أيضاً في السياسات الدولية التي تنظم الأزمة السورية، فالعرب لم يعودوا موجودين في مناقشات الوضع المستقبلي لسوريا مع أنه في الجهة المقابلة نجد أن الدول الإقليمية التي تهدد الاستقرار العربي بأكمله، إيران وتركيا، تشارك في تقرير مصيرها، والذي بالتأكيد لن يكون لصالحنا مهما حاولنا أن نقنع أنفسنا.

على العرب ألا يقفوا متفرجين لما يحدث فيها على الأقل في التعامل مع الشعب السوري ومحنته الإنسانية، بل والمساعدة على التخطيط لسوريا ما بعد نظام بشار الأسد لأنه راحل.

تحرك دولة الإمارات لإعادة علاقتها الدبلوماسية هو إحساس بالمسؤولية الوطنية والقومية، لأن الابتعاد عنها لا يخدم العرب، ولأن الدولة السورية والشعب السوري يختلفون بالكامل عن النظام السوري، لهذا ليس من المنطق تجاهلها وتجاهل قضاياها الرئيسية حتى لا تصعب الأمور أكثر، لأن الذي بيده القرار السياسي السوري بجزء كبير هو النظام الإيراني.

* كاتب إماراتي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات