من القاهرة إلى دبي وبالعكس

تركت القاهرة قبل أسبوع في طريقي إلى دبي لحضور المنتدى السنوي للإعلام العربي، وكان في القاهرة كما أصبح في دبي، موضوع الإعلام والصحافة في قلب الأحداث وموضوع الساعة وسبب من أسباب القلق الذي يستدعي أزمنة سابقة تعرضت فيها مهنة الرأي والكتابة ووجهات النظر والنسبية السياسية والفكرية لاختبارات صعبة.

في القاهرة جاء إلى الذهن فوراً ما حدث ساعة صدور القانون 93 لعام 1995 حيث نزلت القيود على المهنة كالصاعقة؛ وذلك عندما صدرت «لائحة الجزاءات والتدابير الإدارية والمالية التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الصادر بالقانون رقم 180 لسنة 2018».

أما في دبي فقد كانت القضية كلها معكوسة حيث بدت القضية الأساسية ماذا سوف تفعل المهنة الصحفية والإعلامية في ظل الظروف الجديدة للثورة الرقمية القائمة على النتائج المتراكمة للثورتين التكنولوجيتين الثالثة والرابعة، وما أفرزتاه من تداخل وتماس على ما نعرفه من صحافة وإعلام قامتا على نتائج الثورات الصناعية الأولى والثانية.

بدا الأمر أن المهنة تواجه اعتصاراً كبيراً أمام سلطة الطبيعة حيث الموجات المتدفقة للتواصل الاجتماعي وأشكال جديدة من الفيضان الهادر الذي خلق الملايين من الكتاب والصحفيين والإعلاميين وأصحاب المدونات المطولة والكلمات القصيرة، والتهكمات اللاذعة، والصور والفيديوهات المتفاوتة والمتراوحة حسب مقاييس القيم الأخلاقية والحسية للبشر.

صحيح أن جلسة هامة جرت في دبي حول «السياسة والصحافة» لكي تناقش العلاقة بين السلطة من ناحية كوظيفة لضبط وإدارة المجتمع، والصحافة باعتبار وظيفتها في كشف الحقيقة وطرحها للجماعة الوطنية؛ ولكن كان في دبي ما هو أكثر.

دارت أغلب الجلسات حول أن الصحافة والإعلام اللذين لا نعرفهما لم يعودا يجريان طبقاً لأرقام القراءة والمشاهدة ومدى الإعجاب والاستهجان (الليكات وعكسها) في مدارات أسطورية لو جرت مقارنة أرقامها مع أرقام توزيع الصحف اليومية، أو مشاهدات التلفزيون والفضائيات، أو حتى الفتح على المواقع الإلكترونية.

وفي الجلسة الأخيرة من منتدى دبي طرح بصراحة ووضوح ما كان عالقاً على كتف المنتدى كله منذ البداية إلى النهاية عما إذا كان الحاضرون من الكتاب والصحفيين وأصحاب البرامج الشهيرة هم من يمثلون المهنة حقاً، أم أن هناك آخرين وجبت دعوتهم إلى الحفل الكريم، وإعطائهم الجوائز لأنهم يحققوق من الملايين قراءة ومشاهدة ما لم يحلم به أي من الحاضرين. كان الدكتور ياسر عبد العزيز العالم الإعلامي القدير، والكاتب الصحفي الحصيف أيضاً، قد وضع المؤتمر كله على المحك عندما وضع ثمانية تيارات ذائعة في الفضاء العام، وكيف أنها في الواقع تدور في أفلاك أخرى تختلف تماماً عما نعرفه.

معضلتي الكبرى في القاهرة الآن كما كانت في عام 1995 هي: هل نحن نحتاج حقاً الصحافة التي أكتب فيها، والإعلام الذي أظهر فيه وأجيب فيه عن الأسئلة العالقة في المجتمع.

الثابت لدينا أن الدستور كان واضحاً وقاطعاً وحازماً في التأكيد على «حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني»، فذلك «مكفول» كما أن «للمصريين من أشخاص طبيعية أو اعتبارية، عامة أو خاصة، حق ملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ووسائط الإعلام الرقمي».

أيا ما كان جارياً في القاهرة لا يجب أن يصرفنا عما كان جارياً في دبي لأن الحال في عاصمتنا بغض النظر عن اللائحة وما جاء فيها هو أن إعلامنا صحفا ومنصات أخرى مختلفة ليست في أحسن أحوالها، والغريب أن ذلك حدث في الوقت الذي تنتشر فيه المشروعات العملاقة بطول البلاد وعرضها، ويخرج فيه المصريون من جانب نيلهم العظيم لكي تلمس أصابعهم ضفاف بحار واسعة.

أضاءت الكهرباء جوانب مصر كلها، بل إن بعضاً منها ذهب يبدد ظلمات في السودان، ولكن الضوء في الصحافة المصرية يخفت، أما في الإعلام والمحطات التلفزيونية فإن كثيراً من الأضواء انطفأت ليس لأنها تتجاوز أو تزدري الأديان، وإنما لضعف في الاجتهاد، وإرهاق في الإنفاق، والوقوف حيارى إزاء استيعاب ما صار ألغازاً غامضة في عالم هيمن فيه إعلام «المشاعر» ووجب فيه إعلام «التفكير».

تلك كانت المسألة الأساسية في دبي والتي ربما انجرف بعيداً عنها الجمع، فالأشكال الجديدة للإعلام ليست إعلاماً وإنما دفقات من الغرائز والنبض التلقائي الذي لا يمر بمراكز الفرز والتفضيل في العقل الإنساني؛ وكلها ربما تحتاج مقالاً آخر!.

* كاتب وخبير اقتصادي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات