المتناطحان على القمة

حضرت محاضرة لمفكر آسيوي كبير تحدث عن إمكانية الوفاق بين الصين والولايات المتحدة. لا أستطيع الكشف عن اسمه بسبب أن المحاضرة قدمت تحت قواعد التشاتم هاوس. وخلفية الموضوع هو ما يسمى بفخ ثوسيديدس.

ويشرح عالم السياسة الأمريكي بجامعة هارفرد، البروفيسور قراهم أليسون، في كتابه مآلتهما للحرب: هل تستطيع أمريكا والصين تفادي فخ ثوسيديدس؟، والذي راجعته في السابق واقتبس منه الآتي: «أن في الأزمنة الغابرة، وفي العصور الإغريقية الكلاسيكية دخلت أسبرطة وأثينا في حرب ضروس عرفت بالحرب البيلوبونيزية التي استمرت لأعوام عديدة من 431 ق.م. إلى 403 ق.م. ويقول المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس والذي عايش الأحداث، وكان مقاتلا فيها، إن سبب الحرب يعود إلى صعود أثينا والخوف الذي استبد بأسبرطة جعل من الحرب أمراً محتوماً»

وهناك عدة أمثلة تاريخية يسوقها أليسون التي كشفت عن أن التنافس في النهاية يقود إلى حرب. وليس هناك مثال أبلغ مما يسميه الكاتب «فخ ثوسيديدس» من التنافس البريطاني-الألماني الذي آل إلى الحرب العالمية الأولى. وكان للتقدم التي بدأت تحرزه ألمانيا في ميادين علمية وصناعية واقتصادية الأثر الأكبر في جموح ألمانيا لتغيير مكانتها الدولية.

وقد دفع الطموح التوسعي لألمانيا والسعي للحصول على مستعمرات لها، بعد أن تقاسم الأوروبيون والأمريكان العالم بينهما، إلى زيادة تسلحها، خاصة في القوة البحرية لموازاة، بل والتغلب، على الأساطيل البريطانية التي كانت تراها حجر عثرة في سبيل تحقيق مآربها. وقد أخاف لندن نوايا ألمانيا والقيصر التي كانت تراه نزقاً تجاهها.

ويقول الكاتب رغم أن القيصر فيلهلم الثاني إمبراطور ألمانيا، كان حفيد الملكة فكتوريا من ناحية والدته إلا أن الصراع الجيوسياسي العالمي لم يمنع القيصر من الدخول في حرب دموية مع أقاربه. وهكذا انزلق الطرفان في حرب ضروس راح ضحيتها الملايين وغيرت ملامح أوروبا والعالم إلى الأبد.

ولكن هذا المفكر الآسيوي لا يرى حتمية الحرب بين الجبارين بسبب أن الأسلحة النووية ستعني خسارة الطرفين وربح بقية الأطراف بل يعتقد أن بالإمكان التعايش بين القوة الصاعدة الصين والقوة المهيمنة الولايات المتحدة. وحتى أليسون يرى «أن رغم مآل التنافس بين القوة المسيطرة والدولة الصاعدة في مجمل الأحوال هي الحرب إلا انه لا ينبغي بالضرورة أن يكون كذلك إذا ما استطاعت القوتان إدارة صراعهما بطريقة تؤول إلى تنافس سلمي. ويحذر من سذاجة البعض الذين يعتقدون أن الحرب مستبعدة بين الصين وأمريكا، والأخرون الذين يرون أن الحرب قدر محتوم».

ويشير المحاضر إلى عدة فرضيات ينطلق منها وهي: أن السياق الدولي الجديد تتحسن فيه الظروف العالمية رغم ما نراه من صراعات كثيرة. فالعالم بات أكثر سلماً حيث إن الحروب العسكرية النظامية بدأت في الانحسار. واحتمال أن يموت شخص في حرب نظامية احتمالا ضئيلا جدا.

كما أن العالم تخلص من الفقر. وأصبحت الطبقة الوسطى تمثل نصف سكان العالم. ويجادل المحاضر بأن القرن الحادي والعشرين هو قرن آسيوي بامتياز كما كان القرن العشرين قرناً أمريكياً.

ويرى أن العلاقات الأمريكية-الصينية لها عدة أبعاد. أول هذه الأبعاد هي الحرب التجارية المستعرة بين العملاقين. فقد شجعت الولايات المتحدة انفتاح الصين على التجارة العالمية متأملة أن تحرير التجارة ستنعكس نفسها على النظام السياسي وتغيره نحو نظام ليبرالي شبيه للولايات المتحدة. ولكن الصين واصلت نهجها السياسي مع انفتاح اقتصادي واقتصاد مختلط. وقد شعرت واشنطن بأنها خدعت، وأن الصين بدى أنها تفوقت في لعبة أمريكا الاقتصادية.

وعليه فإن الولايات المتحدة تريد فصل الاقتصاد الأمريكي عن الصيني. ويقول المحاضر إن الولايات المتحدة ستكون الخاسر الأكبر من أي إجراءات حمائية في تجارتها الخارجية. وبغض النظر عن الإجراءات الأمريكية فإن الصين مآلها أن تتفوق على الاقتصاد الأمريكي.

وهناك البعد العسكري في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. إذ إن الولايات المتحدة تنفق أضعاف ما يزيد عن الإنفاق العسكري الصيني. وحسب المحاضر فإن الصين تستفيد من هذا الإنفاق العسكري المبالغ فيه، ببنما تزيد الصين من إنفاقها على البنية التحتية أو التعليم والتدريب أو البحث والتطوير.

أما البعد الرابع فيتعلق بالثقافة والتي لا ترى ولا تتقبل بالتفوق الآسيوي على الأمريكي والأوروبي. كما أن الرهاب من «الخطر الأصفر» قد يتملك الغربيين ويلعب دوراً في المواجهة بين الدولتين.

وأخيراً، هناك مشكلة التفوق الأمريكي وان الولايات المتحدة اعتادت أن تكون الدولة الأولى في العالم. وقد لا تستسيغ أن تحل محلها دولة أخرى كالدولة الأولى في العالم.

وتطرق المحاضر إلى منافع ومخاسر التنافس بين الصين والولايات المتحدة على الدول الصغيرة. ويرى أن الإيجابيات تفوق السلبيات من جراء هذا التنافس. حيث إن التنافس يتيح مساحة للمناورة للقوى الصغيرة.

* كاتب وأكاديمي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات