«المحتوى» سيد الموقف

انشغل المشاركون أمس في منتدى الإعلام العربي بمستقبل الإعلام، ولكنني ما زلت وغيري منشغلين بمستقبل «صناعة المحتوى».

الغربيون يقولون content is king أي المحتوى هو الملك أو سيد الموقف وهو بالفعل كذلك. فمهما تنمق الحديث أو النص وخلا من روح التأثير جاء باهتاً. فكنا في السابق نضطر إلى الإنصات إلى برنامج حوارية وإخبارية ومنوعة لساعات عدة في الفضائيات على أمل أن نصل لفقرة محتوى تستحق التأمل أو النقل أو الإشادة، حتى أنقذنا زر يوتيوب في تفويت دقائق من «حشو الكلام» الذي لا يضيف جديداً، وذلك بضغطة خاطفة على زر الشاشة.

وأرى أن «الهجرة المؤقتة» للقراء والمشاهدين والمستمعين لوسائل الإعلام التقليدية يعود إلى عدم تكيفها مع طبيعة تغير حاجات ورغبات الناس التي عادت إلى فطرتها العربية المحبة للاختصار وبلاغة التعبير. بعبارة أخرى أدركنا ما قاله جدنا الجاحظ عندما سُئِل ما البلاغة؟ فقال: الإيجاز. وقد طبقت ذلك منى المري رئيسة المكتب الإعلامي لحكومة دبي في كلمتها الافتتاحية التي لا أظن أنها تجاوزت ٣ دقائق جمعت فيها بمهارة زبدة الحديث.

مشكلتنا ليس كما يعتقد البعض بالمدة الزمنية للحديث فحسب، بل بمحتواه الذي يناسب أسماع وأفهام الجمهور المتلقي. فالناس صار لديها حدس مذهل في معرفة قوة المحتوى بسبب ملايين المنصات التي تلقي بمحتواها في هواتفنا وشاشاتنا وإذاعاتنا.

صارت قضية إبهار المتابع في وسائل الإعلام مسألة في غاية الصعوبة إذا لم ننجح في تنويع المادة وتعزيزها بالفيديوهات والصور والمعلومات المدهشة.

ولذا يجب إعادة النظر في آلية تقييم المحتوى عبر وضع مقاييس أداء KPI محددة يمكن قياس جودة المادة من خلالها حتى لا نجعلها عرضة لمزاجية مدير يفتقر للمهنية.

وتقتضي الحكمة إعادة تقييم مدى الإقبال على المادة من خلال تقييم المؤشرات الرقمية لما يقبل عليه الناس وما لا يحبذونه. وإذا كنّا كمهنيين وكتاب نتحسس من قضية «ركوب موجة» مزاج القرّاء أو المشاهدين فيمكن أن نعود وبجدية غير مسبوقة إلى أصول المهنة بتقديم مادة رصينة «ذات سبق صحافي معتبر» يغطي كل المجالات وندعمها بالفيديو والصورة لنجذب كل فئات الناس إلى النص. فقضية التركيز على حاسة واحدة «كقراءة» الصحف لم تعد مجزية.

كما لا بد أن تحوي وسائل إعلامنا على ما يعكس نبض الشارع وهمومه شريطة نشره بصورة فورية. فالصحيفة التي تزعجها قضية الانتظار لليوم التالي لحين صدورها صار لديها عدسات فيديو متنقلة ترسلها كعيون إلى كل زوايا الوطن.

هي من يجب أن ينقل لنا المادة التشويقية لما سينشر في الصحيفة بعد ساعات، لتزاحم غيرها. ولماذا لا نعيد النظر في قضية محتوى الصحيفة فتنشر ثلاثة أعداد في اليوم (إلكترونية) ولكن بقوة خبرية «وسبقية» لا يجاريها أحد. هذا هو التنافس الحقيقي في صناعة محتوى جذاب.

القبس الكويتية مثلا دمجت الخبر مع الفيديو فتحول عدد من أخبارها إلى نشرة أخبار يدردش فيها المذيع وزميلته المذيعة في حوار شيق أحيا النص التقليدي وبسطه.

كما لا بد أن نخفف من ترهل الجسم الصحافي حتى ندفع فقط لمن يقدم مادة قوية نفاخر في محتواها. وقد أعجبني رئيس تحرير مطبوعة عربية انجليزية حينما قال لي أمس: نحن مستعدون لأن ندفع 10 أضعاف القيمة لمادة ذات محتوى مؤثر مقارنة بمادة تقليدية.

باختصار، إذا لم تساير وسائل الإعلام التقليدية حاجات الناس ورغباتهم ولم تجدد أدواتها ومادتها ستفقد قوتها، لأنها لم تستوعب أن «المحتوى» ما زال سيد الموقف.

* كاتب كويتي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات