المتشائلون

قبل أسبوعين أو نحو ذلك نشر صديقي الدكتور أحمد جلال مقاله بالمصري اليوم الغراء تحت عنوان «سجين الأمل» (18 مارس الجاري) حينما كان عليه أن يجيب عن تساؤل يأتي له دوماً وصياغته:

«هل أنت متفائل تجاه المستقبل؟»، ولكنه لا يأتي معلقاً في الهواء بل هو معقد بالظروف لأن من يطرحه يضيف شرط الإجابة عن السؤال لا بد وأن تلاحظ ما يحدث في الساحة العالمية من شعبوية وانعزالية، واتساع الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون؛ وفي منطقتنا من تخلف وتشرذم؛ وما يعانيه المصريون من عنت رغم الكثير من الإنجازات.

إجابة صاحبي جزمت بضرورة الأمل مستنداً إلى أن التغيير هو سنة الحياة، أو الثابت الوحيد الذي يعرفه بني البشر، وفي ذلك يكون الأمل قوة دافعة؛ وأن هناك فضلاً في الحكمة الذائعة أنه «ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظن أنها لا تفرج».

الأديب الفلسطيني «أميل حبيبي» كتب رواية تحت عنوان «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي الحسن المتشائل»؛ ولا يهم هنا ما جرى في الرواية التي أعطت للمؤلف الكثير من الجوائز.

ولكن ما صكه من وصف «المتشائل» الذي هو خلطة بين التفاؤل والتشاؤم، فهو إذا ما أدخلنا التقاليد المصرية في الموضوع، يجد ساعة الفرح ما يجعله منادياً «اللهم اجعله خيرا»، وساعة العسر ما يجعله يعود إلى الحلقة التي كلما استحكمت لابد لها من انفراج. هذه الخلطة ربما تكون جزءاً من الشخصية القومية المصرية التي تكونت عبر آلاف السنين التي غاب فيها اليقين بما سوف يأتي، ولا أحد يعرف على وجه الدقة عما إذا كانت السنوات السبع القادمة هي السمان أو هي العجاف، أو هي حالة بين هذا وذاك!

في العصر الحديث فإن مثل هذه الحالة من الشكوك والهواجس كثيراً ما يجري التعامل معها بالمعلومات، والمعرفة، وقياس الفجوة ما بين الاحتياجات والمتطلبات والتوقعات، وفي كل الأحوال قياس رغبات الناس ومستوى رضاهم باستطلاعات الرأي العام، والأهم من ذلك كله مشاركتهم فيما يجري بالرأي والعمل لأن ذلك هو ما يخلق الأمل، ويكون ما يسمى بالطاقة «الإيجابية» التي تزيل وحشة الانتظار، والغموض الباعث على التوجس والخشية.

والحقيقة هي أن العالم أفضل كثيراً مما نظن ومنذ الحرب العالمية الثانية تخرج أربعة مليارات من البشر من دائرة الفقر إلى عالم الستر، منهم مليار خلال العقدين الأخيرين أغلبهم من الصين والهند، والمؤكد أن دورية المجاعات في أفريقيا تقلصت إلى حد كبير، وإذا حدثت نتيجة الحروب أو صواعق الطبيعة (راجع ما يحدث الآن في موزمبيق) فإن الدنيا كلها تندفع لكي تقاوم المجاعة وتواجه «الإيدز» و«الإيبولا». الثابت الآن أن من يموتون في العالم الآن من السمنة أكثر من الذين يموتون بالجوع.

ومنذ الحرب العالمية الثانية لم تحدث حرب عالمية أخرى، ومن يموتون من الحروب الجارية أقل من هؤلاء الذين يموتون في حوادث السيارات. وفي منطقتنا التي كان كل من يتنبأ لها يصر على انهيار الدول وانقسامها، الآن وبعد أن أخذ العنف مبلغه، فإن الدولة تعود بحدودها التي كانت، وباتت القضية «الإعمار» وليس أن يقضي طرف على طرف آخر. الحالة الغالبة في المنطقة الآن هي الإصلاح وعنوانه «رؤية» لكيفية اللحاق بالعالم المتقدم خلال فترة قصيرة، ومؤخراً فإن الكويت بما لديها من غنى وجدت أن الغنى أمر والتقدم أمر آخر فكانت «رؤية الكويت 2020-2035»، لكي تلحق برؤيتي مصر (2015-2030) والسعودية (2020-2030).

المغرب وتونس والبحرين وعمان والأردن تجري فيها التنمية على قدم وساق بأسماء وعناوين أخرى؛ ولكنها كلها تتفق على أن استمرار ما كانت عليه لم يعد ممكناً القبول به. صحيح أن الحرب في اليمن، والتعثر في ليبيا، وبطء عودة اللاجئين وتأخر الإعمار في سوريا، كلها تضعف العزيمة، ولكن نظرة على كل ذلك قبل خمس سنوات ربما يزيد الهمة.

إننا نسير في كثير من الأمور الأساسية في الاتجاه الصحيح من أول تحرير الاقتصاد القومي، والنقلة من النهر إلى البحر، ومن إحلال الواردات إلى تشجيع الصادرات، وإدارة الثروة بدلاً من إدارة الفقر، واحترام قوانين الاقتصاد، ومتابعة ما يجري في 100 دولة متقدمة في العالم، وتجديد الخطاب الديني.

هذه الأمور كلها شرط من شروط التعامل مع قضايا أخرى في السياسة والاتصال لأنها سوف تكسبنا النضج الضروري للمشاركة والابتكار (بالمناسبة فإن ترتيب مصر في الدليل العالمي للابتكار تحسن بشكل ملحوظ). الفارق ما بين المتشائم والمتفائل أن الأول ينظر إلى الماضي والثاني ينظر إلى المستقبل، والأول يبحث فيما هو مفقود، والثاني يبدأ مما هو موجود. «المتشائل» لا يعرف لا هذا ولا ذاك فيكون نصيبه الاختفاء كما قال أميل حبيبي!

* كاتب ومحلل سياسي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات