العالم يدار بمزاج ترامب

باعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية، التي تحتلها منذ أكثر من أربعة عقود، تكون بذلك إدارته قد بدأت مرحلة تطبيق نظرية جديدة في أسلوب إدارة النظام العالمي، تعتمد على «مزاج الرئيس» وليس وفق قواعد ونظم العلاقات الدولية المتعارف عليها، لأن ما يفعله ترامب يخالف الشرعية الدولية، ما قد يؤدي إلى زيادة التصعيد في الأزمات المفتوحة أصلاً في المنطقة.

إن الصفة الغالبة على إدارته، التي تكمل دورتها الانتخابية الأولى خلال العام القادم، تحمل بصمات بالغة في السلبية، فهو أعاد ترتيب الوضع الداخلي بطريقة استفزازية بين مواطنيه وشق الصف الداخلي على مستوى المجتمع والحكومة، فهو نشر العنصرية والأنانية واتبع سياسة التحرر من القيم الإنسانية التي كانت تمتاز بها الولايات المتحدة مع أنها كانت تمثل عامل انبهار وتميز للولايات المتحدة، فخلق أزمة داخلية، والآن بدأ الاتجاه إلى الخارج من خلال دعم شخصية يمينية لا تقل تطرفاً هو بنيامين نتانياهو، وكأنه يحاول تهيئة المنطقة والعالم لأزمات صادمة قادمة.

المجتمع الدولي اليوم يشعر بعدم الثقة تجاه السياسة الأمريكية، ليس لأنها بدأت تتخلى عن القواعد والأنظمة التي وجدت لاستقرار العالم بعد الحرب العالمية الثانية، والتي اتفقت عليها دول العالم وإنما كذلك من عدم التوقع من التحركات أو «الشطحات السياسية» القادمة من الرئيس ترامب، لأن ما يفعله لا يطابق المنطق ولا يقبله العقل وقد تؤدي إلى نتائج ضارة باستقرار العالم وأمنه أكثر مما تواجهه الآن، على اعتبار أن كل الإجراءات التي يقوم بها تقوض دعائم النظام الدولي وتضعفه.

في الحقيقة أنه لم تمر مرحلة في مسيرة العالم ـ حتى في عهد باراك أوباما الذي اعتبرت أنها أكثر فوضوية ـ تناثرت فيها المعايير الدولية وتبعثرت قراراتها كما يحصل الآن في عهد ترامب، الذي كان يتوقع أن يكون أفضل حالاً من سابقه، ما يعطينا مؤشراً بأن هناك شيئاً ما سيحدث في المنطقة على الأقل إن لم يكن على مستوى العالم، لأننا فعلاً نعيش فترة يمكن وصفها بفترة الجهل بالعلاقات الدولية وكأن ترامب لا يدرك ما يفعله وما يتخذه من قرارات، مع أن المعروف عن الولايات المتحدة بأنها دولة مؤسسات والرئيس واحد من الجهات التي تصنع السياسة الخارجية ولكنه ليس الوحيد!!.

لم يعد ترامب يعبأ بالقلق الدولي نتيجة لقراراته، فأبسط ما يقال إنه تجاوز الخطوط الحمراء التي قد توسع معها الجبهات المفتوحة في المنطقة وهي كثيرة ضد السياسات الأمريكية، وبهذا أيضاً يحرج حلفاءه التقليديين عمداً، وكأنه يسعى لتوريطهم، والأغرب من ذلك أنه يعيد تقوية الأطراف المهددة للاستقرار العالمي وعلى رأسهم النظام الإيراني، الذي بالتأكيد سيكون هذا القرار طوق نجاة له من حالة التضييق والعقوبات الدولية، وربما يتردد صدى التظاهرات ضد الولايات المتحدة في الدول العربية.

دول العالم اعتادت من ترامب قرارات غريبة تضرب عمق الشرعية الدولية واندفاعات سياسية غير محسوبة العواقب والنتائج، وكأنه لا يدري أنه رئيس الدولة العظمى في العالم وعليه مسؤولية الحفاظ على استقراره والنزاهة في التوسط بين المتصارعين لحل المشكلات المتنازع عليها والوصول إلى حل مشترك وبإرادتهم، وليس الوقوف مع طرف ضد آخر، لأن ذلك يزيد من الخلل في إيجاد الحل بشكل أكبر.

مع أن ترامب يعتبر أوضح رئيس أمريكي في التعامل، إلا أنه في الوقت نفسه من الصعب التنبؤ بقراراته، ومع أن الانتخابات الرئاسية باتت قريبة إلا أن باب المفاجآت لن يغلق بل سيظل مفتوحاً، خاصة إذا ما نجح في الفترة الثانية من رئاسته، التي تعتبر أكثر تحرراً لكل الرؤساء الأمريكيين، وبالتالي فإن مغامراته ستزيد.

أختم إلى أن العالم الذي يديره «مزاج» رئيس أكبر دولة وأقواها بلا شك محكوم عليه بالتوتر وتهديد استقراره وينذر بعواقب وخيمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات