التطرّف وخطاب الكراهية

أثناء حملته الانتخابية للرئاسة الأمريكية، أفصح المرشح الجمهوري دونالد ترامب عن شيء من الفوقية تجاه معظم الجماعات والأقليات العرقية والطوائف الدينية؛ لا سيما المغايرة منها لذوي البشرة البيضاء الأنجلوساكسون البروتستانت.. ودعا في إحدى المناسبات إلى تكوين قاعدة بيانات إلزامية للمسلمين في الولايات المتحدة.

أثارت هذه المداخلات في حينها لغطاً وضجة، وأغضبت قطاعات من الأمريكيين لم تتعود على لغة تمييزية متبجحة، يفترض أنه تم إلغاؤها منذ أكثر من قرنين.

وقتذاك، رفع مسؤول في الشرطة الأمريكية صورة بطاقته، وقرنها بتغريدة على موقع للتواصل الاجتماعي موجهة إلى ترامب قال فيها «أنا مسلم أخدم مجتمعي وأحميه، أين بطاقتك؟!».. وفي تغريدة أخرى علق أحد الممتعضين «أنا طبيب مسلم وهذه بطاقتي، وسأهتم بمرضك بغض النظر عن العرق والدين والعقيدة».

وبلغ الحنق بالبعض أن قارنوا بين دعوة ترامب وبين عقلية النازيين الاستعلائية.

بمرور الوقت، ثبت أن المرشح ترامب الذي صار رئيساً بالفعل، وفريقه الجمهوري وأشياعهم، لا ينطقون عن أهواء عابرة ومماحكات أو دعايات انتخابية، وإنما يتبنون فقهياً وعملياً خطاباً يخالف تماماً القيم والمثل الأمريكية، المضمونة بالدستور والقانون.

لقد أثار هؤلاء أسئلة وقضايا تتعارض مع المساواة بين الجميع، بعيداً عن أي تفاضل بين الأعراق والثقافات واللغات والأديان ومساقط الرؤوس الأصلية. ومن المعلوم أن المساواة بهذا المعنى تمثل القيمة العليا للمجتمع الأمريكي؛ التي بسببها وصف البعض الولايات المتحدة بأرض الأحلام وبأنها مدينة على جبل.

من سياق تصرفات الإدارة الأمريكية في عهد ترامب، وأصدائها في عالم الغرب والشمال، نفهم أننا بصدد نخبة حاكمة تعرف طريقها ومنهجها ولا تفتقد الشعبية، وأن ما يقال عن غرائبية سياساتها وتوجهاتها ليس صحيحاً إلى حد بعيد.. الأمر وما فيه أن صناع قرار هذا العهد يقيمون وزناً زائداً، داخل الولايات المتحدة وخارجها، لفكرة التدافع بين الناس على أرضية الاختلاف في اللون والعرق والدين وانتماءات المنشأ الحضاري، وبقية المدخلات المكونة للهويات الأولية.

يقول مراسل صحيفة لوموند الفرنسية في واشنطن إن «العامل المرجح لنجاح ترامب وبطانته في انتخابات العام 2016 هو التركيز على الهوية.. إنه إبراز مخاوف الرجل الأبيض من خسارة مكانته ونسبته العددية مقابل السود والملونين والآسيويين والمكسيكيين.

إن شعار أمريكا أولاً والحديث عن استئناف عظمة أمريكا، انحدرا إلى مفهوم البيض أولاً والعودة إلى أمريكا البيضاء.. وأدى ذلك إلى نشوء مواقف مضمرة ضد النساء والأقليات والمسلمين والمهاجرين الجدد، وتنحى المفهوم العام للمساواة لصالح التراتب الهرمي للمكانات؛ الذي يضع الرجل الأبيض في عليين».

الفترة المنقضية من عمر ولاية الجمهوريين ومشايعيهم من اليمين العلماني والديني، أظهرت صدقية هذا التحليل، وأن لخطاب التمييز والنبش في التواريخ والمرجعيات الموغلة في القدم والبدائية، سنداً حقيقياً لدى بعض الأمريكيين وسواهم في أوروبا وكندا وأستراليا.. ومع صحة الزعم بأن ترامب وبطانته، جاءوا إلى سدة الحكم محملين بقضايا عالم المال والأعمال وحسابات الربح والخسارة المادية.. إلا أنه يبقى من الصحيح أساساً ودون ريب، أن هؤلاء القوم مشحونون بعبوة كبيرة من العقيدية والفكرية الأيديولوجية المتطرفة إلى حد الهوس، والرغبة المحمومة في الارتداد إلى زمن تسيد قمة الهرم الاجتماعي والسياسي في الولايات المتحدة، وربما خارجها أيضاً.

لعل أم المشاكل بين يدي هذا التصور الاستعلائي، هو تمكنه من اختراق بعض العقول والأفئدة والاستيلاء عليها، وسوق أصحابها إلى اقتراف أفاعيل إجرامية. هذا ما حدث بالضبط تقريباً مع المتعصب برنتون تارنت؛ الذي استباح مؤخراً دماء المصلين المسلمين المسالمين في نيوزيلندا.

ولا ندري كم من الخطايا والسلوكيات العدائية المماثلة وردود أفعالها المحتملة، يمكن أن يشهدها كوكبنا، قبل أن يفيق المتنطعون المشبعون بخطاب الكراهية والعنصرية ويفيئوا إلى سواء السبيل.. أولئك الذين عبرت مقولاتهم مساحات شاسعة من الحدود الجغرافية والتاريخية، لتنتج مثل هذا المسخ البشري، وتوقد أحقاداً طال الظن بأفولها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات