مذكرات تفاهم ليست في محلها

الولايات المتحدة، على لسان مبعوثها إلى إيران براين هوك، تحذّر العراق من السماح لإيران باستغلاله منصةً للتهرب والالتفاف على العقوبات المفروضة عليها، مؤكداً في الوقت نفسه أن عقوبات بلاده على طهران ستشمل المتعاونين معها.

يأتي هذا التحذير تزامناً مع الزيارة الأولى التي يقوم بها الرئيس الإيراني روحاني للعراق، زيارة ما كانت لتتم وهو في سدة الحكم منذ ست سنوات لولا الزاوية الضيقة التي حُصرت فيها بلاده، والضائقة المالية الخانقة التي تمر بها من جراء العقوبات المفروضة عليها، وحاجتها الماسة إلى رئة تتنفس من خلالها. الولايات المتحدة لا تنظر، بكل تأكيد، بعين الرضا إلى هذه الزيارة، وتتوقع أنها ستزيد تعقيد مهامها فيما يتعلق بالحصار الذي تفرضه على إيران، وتعرّض علاقاتها المتعثرة مع العراق إلى المزيد من العثرات التي من الصعب تلافي مواجهتها.

في ضوء ذلك دعت اللجنة المالية النيابية حكومة عبد المهدي إلى أخذ التحذير الأمريكي على محمل الجد، والابتعاد عن أي تعاملات مالية مصرفية مع إيران، مذكرةً إياها بأن خرق العقوبات على إيران سيعرّض العراق ومصالحه للخطر.

خلال هذه الزيارة، وفي ختام جلسة المباحثات المشتركة، جرى التوقيع من قِبل الوزراء المختصين في الجانبين على عدد من مذكرات التفاهم في مجالات النفط والاقتصاد والصحة والنقل، بحضور رئيس الوزراء العراقي عبد المهدي والرئيس الإيراني روحاني.

مذكرات التفاهم، وفق الأعراف الدولية، هي اتفاقات مبدئية تخلو من الالتزامات القانونية بين طرفين أو أكثر على بعض البرامج أو المشاريع، وهي لا ترقى إلى مستوى الاتفاقيات أو المعاهدات، إذ يمكن تعديلها بسهولة، كما يمكن لأي طرف الانسحاب منها دون أن تكون هناك تبعات لذلك.

في الأجواء السياسية الحالية في منطقة الشرق الأوسط، إيران هي من يحتاج إلى العراق للتخفيف من أزماتها، وليس العكس، ومع ذلك جاءت مذكرات التفاهم هذه في غير مصلحته، خاصة ما يتعلق منها بإلغاء رسوم تأشيرات الدخول، إذ يربو عدد الإيرانيين الذين يدخلون العراق سنوياً على خمسة ملايين، وهو رقم يعادل خمسة أضعاف عدد العراقيين الذين يدخلون إيران، بما يضر بمداخيل العراق المالية بشكل كبير. فوفق ذلك، تُقدّر خسائر العراق بما يتراوح بين مئة وأربعين مليون دولار ومئتي مليون دولار سنوياً، إذ يبلغ سعر تأشيرة الدخول أربعين دولاراً، كما أن هذه التسهيلات غير المبررة للدخول المجاني إلى الأراضي العراقية تسهم في تفاقم أزمة انتشار المخدرات في أرجائها التي أصبحت قضية مقلقة جداً في الأوساط المجتمعية، برغم تغاضي الدولة ومؤسساتها عن التصريح بذلك.

أما التفاهمات في قطاعات النفط والاقتصاد والصحة والنقل والمذكرات الموقّعة بشأنها فهي في غير محلها بكل تأكيد، إذ ليس لدى إيران في هذه المجالات ما يمكن أن ينتفع به العراق، مقابل ما يتوافر له من فرص للاستعانة بما تمتلكه الدول الغربية المتقدمة من قدرات وخبرات.

استغلت إيران حضورها القوي في العراق منذ التغيير عام 2003، لتوظيف فشله الذي أريد له أن يكون مستداماً في معظم القطاعات الحيوية بسبب الفساد، خاصة في مجال الطاقة الكهربائية، استغلته للدخول بقوة إلى هذه القطاعات بغية ربط الاقتصاد العراقي بوشائج قوية بالاقتصاد الإيراني، فعلى محور الطاقة، تزوّد إيران العراق بقدر من الطاقة الكهربائية، وتزوّده كذلك بالغاز الطبيعي لتشغيل إحدى محطات الطاقة، بما قيمته 3.5 مليارات دولار سنوياً، وتصدّر له من السلع غير النفطية ما قيمته 8.6 مليارات دولار سنوياً.

حجم التبادل التجاري الحالي بين البلدين يقرب من اثني عشر مليار دولار سنوياً، في ميزان تجاري مختل بشكل كبير جداً لغير مصلحة العراق الذي تراجعت قدراته الصناعية والزراعية بشكل كبير، وأصبح سوقاً لإيران يراد لها أن تستمر في التوسع، فقد أعرب الطرفان الإيراني والعراقي عن الرغبة في رفع هذا الرقم إلى عشرين مليار دولار سنوياً.

هذه التفاهمات العراقية الإيرانية، التي لا تخفي ظواهرها وخفاياها حجم التحدي للولايات المتحدة، ليست في مصلحة حكومة عبد المهدي، فهي تأتي في ظروف تصاعد النقمة الشعبية على الحضور الإيراني في الشأن العراقي من جهة، وتضعف فرص الدعم الأمريكي لشرعيتها من جهة أخرى. العراق ليس في موقف يستطيع فيه تحدي الولايات المتحدة، بل ليس هناك أي مبرر لذلك، فهو بحاجة إليها الآن، وفي المقبل من السنين، فالوضع فيه بعد مرور ست عشرة سنة على التغيير لا يزال هشاً وغير مستقر.

كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات