العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    تخليد نكرات المجتمع !

    بعد فاجعة اقتحام أسترالي لمسجدين في نيوزيلندا، التي أردى فيهما نحو 50 قتيلاً برشاش ثبت فيه كاميرا نقلت تلك المجزرة الدموية التي ذهلت العالم، خرجت علينا رئيسة وزراء نيوزيلندا بفكرة جديدة (بعد ارتدائها الحجاب تعاطفاً)، وذلك حينما قالت أمام عدسات الكاميرا، لن أذكر من الآن فصاعداً اسم ذلك المجرم، حتى لا أحقق له الشهرة التي كان يتطلع إليها.

    وكانت تشير إلى كاميرا البث الحي عبر الإنترنت الصغيرة، التي وضعها المجرم فوق رشاشه، ليصور ما اعتبر أحد أبشع الجرائم التي شهدتها نيوزيلندا الآمنة في العصر الحديث.

    باختصار، كانت تريد ألا تخلد ذكرى ذلك «النكرة». شخصياً، أعجبت بتصرفها الحكيم، ذلك أننا في غمرة الانفتاح الإعلامي غير المسبوق في تاريخ الأمم، صار في مقدور أي «إمعة» أو مجرم أو سفيه، أن يصبح نجماً في المجتمع. مثل المراهق الذي جز رؤوس وبطون زملائه بسكين في المدرسة بعيد تلك الحادثة.

    والمشكلة ليست في هؤلاء الذين سطرت قصصهم على مدى التاريخ دواوين الشعر والروايات التاريخية. من تلك النصوص أو الإشارات، علمنا بوجود معتوهين أو عديمي الضمير ممن كانوا يعيشون بين أسلافنا.

    كل ما في الأمر، أننا نحن من زدنا من شهرتهم، باتباعهم والتفاعل معهم، والترويج لما يبثونه، عبر إعادة إرسال تفاهاتهم على حساب المبدعين الحقيقيين، أو أصحاب الأعمال التي تستحق أن يشار إليها بالبنان.

    ولذا، لجأت شركة التواصل الهاتفية «واتس آب» إلى قرار ذكي، وهي وضع سقف أعلى لعدد من يمكن أن تعيد إرسال مادة مصورة أو مكتوبة أو مسموعة إليهم. وذلك بحد أقصى 5 أشخاص، بدلاً من ضعف هذا الرقم، كما في السابق.

    ظاهر القرار تخفيض انتشار الشائعات إلى النصف، لكن باطنه فيه تقليل من الترويج لأعمال نكرات المجتمع، الذين جعلنا منهم «أعلاماً من ورق»، لأن كل مؤهلاتهم هي تشغيل كاميرا وتصوير تفاهاتهم أو بذاءاتهم أو سخافاتهم. ولذا، قال أحد الأمريكيين «لنتوقف عن جعل أغبياء المجتمع مشهورين» stop making stupid people famous، وهذا هو مربط الفرس.

    والأمر نفسه يحدث على الصعيد الإداري، حينما نأتي بشخص كل ما يملك أنه نشط في وسائل التواصل الاجتماعي، فنمنحه منصباً قيادياً رفيعاً لا يستحقه، أو لا يتناسب مع قدراته أو مؤهلاته.

    أو نمنحه مؤسسة إعلامية مهمة، لا يفقه في أبجدياتها شيئاً يذكر، فيفسدها.

    بحكم عملي الاستشاري مع القيادات، جاءني مليونير عربي، وقال لي بالحرف الواحد «كيف يمكن أن أكون مشهوراً».

    طلبت توضيحاً لتعريف معنى «الشهرة»، فقال أريد أن أكون متحدثاً جيداً، وتستقبلني القنوات الإعلامية، ويهتم بي الناس ويعجبون بي. لم أشك في أنه سيدفع لي دفع مبلغاً كبيراً، إلا أنني تهربت منه بكياسة.

    السبب هو أنني أدركت أنه إذا بزغ نجمه، سيعيث في الأرض فساداً، لما يحمله من الأفكار الهدامة في المجتمع، وقد تتجاوز القانون، فهو لا يحمل قيماً نبيلة لجمهوره، بل على العكس، يريد أن يخرب ما نعتبره قيماً نبيلة. وسبب اختياري أنني أريد وأد «مشروع نكرة» من نكرات المجتمع.

    كل منا يستطيع أن يحد من تخليد اسم نكرات المجتمع السيئين، وذلك بوأد أو تجاهل ما يبثونه من تفاهات أو اعتداءات أو جرائم.

    طباعة Email