فشل انستكس

انتهى في العاصمة النمساوية فيينا الاجتماع الـ 11 للجنة المشتركة للاتفاق النووي بين إیران ومجموعة دول (4+1) دون التوصل لاتفاق حول تفعيل آلية دعم المبادلات التجارية بين أوروبا وإیران المعروفة باسم «إنستكس» Instex«، والتي أطلقتها الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي، وهى ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وهدفها الحفاظ على الاتفاق النووي مقابل ضمان التجارة مع إيران دون معاملات مالية مباشرة تعرض الشركات الأوروبية للعقوبات الأمريكية، وبموجب هذه الآلية تقوم إيران بتسليم النفط أو منتجات أخرى إلى أوروبا.

وبدلاً من دفع الأموال إلى البنوك الإيرانية ستذهب الأموال إلى الشركات الأوروبية التي تبيع الدواء أو الغذاء إلى إيران.... فلماذا فشل الجانبان الإيراني والأوروبي في التوصل لصيغة حول تطبيق»انستكس«؟ وما هي الخيارات أمام الدول الأوربية ؟ وهل هناك أي حظوظ لنجاح هذه الآلية حال العمل بها أو الاتفاق على تطبيقها في المستقبل؟

المؤكد أن هذه الآلية لا يمكن أن يكتب لها النجاح لعدد من الأسباب وهى:

أولاً: الخلافات الإيرانية الداخلية حول آلية»انستكس«، والتي باتت واضحة بقوة في الشرط التي وضعته الترويكا الأوروبية بربط تطبيق آلية»انستكس«بوقف تمويل إيران للمجموعات الإرهابية خاصة حزب الله اللبناني، وميليشيا الحوثى في اليمن، والميليشيات المصنفة إرهابياً في العراق وسورياـ، وضرورة انضمام إيران إلى مجموعة العمل المالي»فاتفFATF «والتي تشترط إصدار إيران لتشريعات جديدة تتواءم مع قواعد»فاتف«.

وهذا الأمر محل خلاف شديد بين الإيرانيين، لأن ضمن التشريعات المطلوب من إيران التصديق عليها»الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب«CFT»، والاتفاقية الدولية لمكافحة الجرائم العابرة للحدود «باليرمو»، لأن مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني رفض التصديق على هذه المعاهدات، بالإضافة إلى أن الحرس الثوري الإيراني حذر من هاتين الاتفاقيتين لأنهما ستؤثران على تمويل عملياته في سوريا ولبنان واليمن والعراق.

ثانياً:الخلافات الأوروبية الإيرانية، فالدول الأوروبية رغم حديثها عن «انستكس» باعتبارها مخرجاً لانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاق (5+1) في مايو الماضي، وإعادة فرض أقوى حزمة من العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران في 4 نوفمبر 2018 إلا أن الخلافات الأوروبية الإيرانية عميقة وتتعمق يوماً بعد يوم، وفشل مدير «إنستكس» الألماني بير فيشر الذي زار طهران الأسبوع الماضي في التوصل لاتفاق مع المسؤولين الإيرانيين حول نظام عمل القناة المالية.

ومن المؤكد أن الطرفين لن يستطيعا التوصل لاتفاق قريب لأن مضمون «انستكس» فضفاض وغامض و لا يتفق مع الأهداف المعلنة من الجانبين، لأن الآلية الأوروبية تتحدث عن واردات الغذاء والدواء والطحين وغيرها من الاحتياجات الإنسانية، وهي قطاعات لم تشملها العقوبات الأمريكية من الأساس، بينما لا تشمل «إنستكس» قطاعات هامة بالنسبة لإيران مثل القطاع المصرفي ومبيعات البتروكيماويات.

ثالثاً: هناك خلافات أوروبية - أوروبية بشأن آلية «انستكس» فعلى الرغم من أن «انستكس» بالأساس بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا من ناحية، وإيران من ناحية أخرى إلا أن «الاتحاد الأوروبي» يريد إطلاق «انستكس» مع بيان رسمي حول إيران تصادق عليه جميع الدول الأعضاء الـ28 ويتضمن مجموعة كاملة من المخاوف الأوروبية حيال طهران، وهنا تظهر الخلافات الأوروبية - الأوروبية بشأن هذه الآلية، فمواقف دول الكتلة الشرقية من الاتحاد الأوروبي أكثر قرباً للموقف الأمريكي منه للموقف الأوروبي، وخير شاهد على ذلك استضافة بولندا للمؤتمر الدولي لمكافحة السلوك الإيراني.

رابعاً: الخلاف الأمريكي الأوروبي سوف يفشل آلية «انستكس» فالرئيس ترامب لا يترك فرصة إلا ويندد بتمسك الأوروبيين بالاتفاق النووي الإيراني، ورغم التوافق الاستراتيجي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بضرورة حث إيران على التوقف عن إجراء التجارب الصاروخية وعدم التدخل في شؤون جيرانها إلا أن الولايات المتحدة أكدت أنها سوف تعاقب الشركات الأوروبية التي تتعامل بشكل مباشر أو غير مباشر مع إيران، وهو الأمر الذي دفع كثيراً من الشركات الأوروبية للانسحاب من السوق الإيرانية، ولا يمكن للشركات الأوروبية التي تتعامل غالبيتها مع السوق الأمريكي أن تفضل إيران على سوق أقوى اقتصاد في العالم.

* كاتب متخصص في العلاقات الدولية
 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات