مقال

أين يولد التطرف؟

شهد العالم يوم الجمعة الماضي جريمة نكراء، حيث قام شاب إرهابي بإطلاق أعيرة نارية من بندقية أوتوماتيكية على مصلين في مسجدين خلال صلاة الجمعة في نيوزيلندا، الأمر الذي جعل ردود الأفعال على هذه الحادثة متباينة ومتغايرة من شخص لآخر، حيث إن البعض رأى أنه عمل إرهابي ضد الإسلام والمسلمين، والبعض كان رأيه أن هذا الأمر نتيجة حالة الإسلاموفوبيا التي اجتاحت الكثير من البلدان كردة فعل على ما يصل الشعوب عبر وسائل إعلامها وإعلامنا من أخبار داعش وأفكاره، وغيره من الجماعات المتطرفة.

ورغم هذا التباين والاختلاف في وجهات النظر إلا أن الجميع دون استثناء كانوا متعاطفين جداً مع ضحايا هذه الحادثة، ورافضين كل الرفض لمثل هذه التصرفات الشيطانية التي يروح ضحيتها العشرات أو المئات وأحياناً الآلاف من الأبرياء، باسم الدين وانتقاماً للدين ودفاعاً عن الدين، قام هذا الشاب بفعلته النكراء ليقتحم مسجداً تقام فيه شعائر وعبادات لدين آخر يخالف دينه ومعتقده، فمن أين وُلِد التطرف في معتقد هذا الشاب؟! وأين يولد التطرف بشكل عام، هل في العائلة؟! أم في المدرسة، أم في دور العبادة كل حسب دينه وملته، أم يولد داخل النوادي الليلية وأماكن اللهو بعيداً عن الأديان وتنشئتها؟!

ففي ظل دراسات علمية تجري في الجامعات والمعامل الغربية على المخ وتركيبته ما زلنا في حيرة من أمرنا، فبعض المتطرفين خرجوا من التطرف في الدين، وبعضهم خرجوا من النقيض تماماً من الانحلال في المعاصي واللهو والبعد عن الله، ولو كان التطرف يولد في داخل الأسرة لما وجدنا في عائلة واحدة شاباً متطرفاً وبقية العائلة رافضين كل الرفض لتصرفات ولدهم، بل ويتبرؤون منه إذا ما خرج عن سيطرتهم، وإن كان الإعلام يولّد التطرف لما وجدنا أن أغلب البرامج والمواد الإعلامية تدعو لعدم محاسبة الآخرين والاختلاف والتصادم معهم.

إذاً أين يولد التطرف؟! في ظني والله أعلم أن التطرف يولد من التاريخ، ويتغذى على عناصر كثيرة في استرجاع الأحداث التاريخية وربطها بواقع المستجدات اليومية، ويترتب من المفاهيم المغلوطة لتفسير التاريخ والاستدلال به في غير مكانه ليشكل عقلية المتطرف الذي يرى في نفسه الصلاح لدرجة تخوله محاسبة الآخرين والاقتصاص منهم دفاعاً عن موروثه الديني، أو انتقاماً لدينه وشهداء دينه، ممن استرجعهم من التاريخ لينفذ جريمة الحاضر، وهذا ما ولد داخل سفاح المسجدين في نيوزيلندا.

حيث قُرأ على سلاحه أسماء أشخاص لديهم عدائية مع الإسلام، منها اسم قائد جيش الفرنكيين الذي انتصر على المسلمين في معركة بلاط الشهداء، وعبارة أهلاً بكم في جهنم!! مما يعني أن هذا السفاح لديه إرث من الكراهية كان نتيجته قتل أكثر من ٥٠ شخصاً.

إن التاريخ في بعض جوانبه يولد التطرف والكراهية والبغضاء تجاه الآخر، فجل ما وصلنا وما تلقاه غيرنا من أحداث التاريخ معظمها عن أخبار الحروب والمعارك والكراهية والعدائية، ولم تصلنا للأسف إلا النزر اليسير من قيم التسامح والسلام والتعايش بين الشعوب، فمعظم مؤرخي وكتاب التاريخ والقصاصين انحازوا انحيازاً كاملاً لنقل أخبار العنف والتحزب وقصص الحروب والمعارك، وعمليات الإقصاء ونبذ الآخر والمشاهد السوداوية لحال حقوق الإنسان والكرامة المجتمعية، حتى إننا لا يمكننا تصور حال التسامح والتعايش، وكيف كانت حالات السلم وما هي عناصرها وأركانها، وشكلها ومضمونها. وأحداثها وحوادثها، قصصها ومروياتها، فكل هذه التفاصيل كانت للحرب على حساب السلم والسلام بديلاً عن الحب والوئام.

الدفاع عن الأمجاد، والانتقام لـ «الشهداء»، والثارات، هو ما حمل الكثيرين على ارتكاب أشد أنواع الإرهاب والترهيب، والسبب الآخر في توليد حالة التطرف هو المظلومية سواء التاريخية أو الحالية، فعندما يشعر الإنسان بأن الكرامة مهانة، سواء تاريخياً أو حاضرياً فسيقوم بأي شيء لزعزعة الاستقرار، وفي هذا العالم أناس شغلهم وعملهم إثارة هذه العواطف واستغلالها للتحكم في الأدمغة، سواء بقصد مباشر أو غير مباشر ليحصلوا على مبتغاهم في توجيه بعض الأشخاص لارتكاب أشد وأبشع أنواع الدموية وأكثرها بشاعة.

عندما قلنا إن التسامح كان أمامنا نموذج زيارة قداسة بابا الفاتيكان بابا الكنيسة الكاثوليكية ولقائه الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف في أبوظبي، وذلك لإزالة جميع الشوائب بين الأديان بأن نتسامح مع تاريخنا وتاريخهم، نقبل ما حصل تاريخياً فهو لم يعد يعنينا بشيء، إنما هو من الماضي، الذي نستذكره للعظة وأخذ العبر، فلنتسامح مع حاضرنا ومستقبلنا في قبول التاريخ دون أي ردة فعل تجاهه.

فالأديان وجدت لتتسامح الأمم لا أن تتصارع، ولكن البعض غايته ومصلحته أن يتصارع، هذا ما فطنت له الإمارات فقبلت التسامح مع الجميع ورحبت بالأخوة الإنسانية، والدعوة كل الدعوة ونحن في عام التسامح أن نبذل أقصى درجات البذل في نبش التاريخ وإظهار حالات السلم والسلام والتعايش بين البشر، وطمس كل ما هو مسيء لتاريخنا كبشرية، صحيح أننا حققنا نبوءة الملائكة فينا كجنس جديد على الأرض لقول الله تعالى (وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)، إلا أننا علينا البذل في تحقيق غاية الله فينا عندما كان رده عليهم (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، سورة البقرة الآية ٣٠.

* كاتب وإعلامي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات