فتنة البريكست

سيذكر البريطانيون الثالث والعشرين من يونيو 2016، حين صوتوا لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بنسبة لا تتعدى الـ 51.9%، بصفته اليوم الذي دخلوا فيه نفقاً ضبابياً؛ لا يعرفون على وجه اليقين أي مستقبل ينتظرهم على صعد كثيرة في نهايته. المفترض أن الاستفتاءات الشعبية تمثل الأداة الأكثر نجاعة لحسم الجدل واللغط، ساعة يختصم أبناء مجتمع ما أو يتنازعون ويضلون السبيل حول مسألة جوهرية ما. لكن الاستفتاء البريطاني الذي طبقت شهرته الآفاق، كان استثناء صارخاً من هذه القناعة، بحسبه أدى إلى عكس المراد منه، عندما ألهب الخلاف بين البريطانيين من جهة وبينهم وبين الشركاء الاتحاديين من جهة أخرى، ولم يقم بدور جهيزة التي تقطع قول كل خطيب.

قبيل الاستفتاء، قيل إن انحياز الأغلبية إلى خيار الخروج سيشكل زلزالاً في الداخل وصدمة لأوروبا الاتحادية والاقتصاد الدولي. والحال أن صدقية هذا الاستشراف قد تجلت فقط وبحيثية قوية في الجانب المتعلق بالبيت البريطاني؛ الذي وقع أهله في حالة من اللا أدرية، وأصبحوا يعيشون بالفعل على صفيح ساخن؛ ولا هم لهم سوى الهواجس المحلقة فوق رؤوسهم ولاسيما لجهة الخسائر الاقتصادية المتوقعة؛ التي ظهرت نذرها سريعاً. أما الشركاء الأوروبيون فقد آلمهم القرار البريطاني، حتى أن بعض كبرائهم، كأنغيلا ميركل وايمانويل ماكرون، وصفوه بالمأساوي.

لكنهم تمكنوا من استيعاب الصدمة وإعادة الاصطفاف، وظهر أن تجربتهم الاتحادية أكثر صلابة مما توقع المرجفون، وأنها تملك أوراقاً تفاوضية تستطيع بها لي ذراع المارقين وتيارهم الانعزالي القابع في زمن الشوفينية القومية. عندما رفض البرلمان البريطاني صيغة الاتفاق على «البريكست» للمرة الثانية بين بروكسل ولندن، علق كبير مفاوضي الاتحاد ميشيل بارنيه قائلاً «لقد فعلنا كل ما في وسعنا لمساعدة بريطانيا على تمرير الاتفاق. هذا مأزق لا يمكن حله إلا في بريطانيا ذاتها .

في مفاوضات البريكست أوفى الاتحاديون بوعودهم وبوعيدهم، التي ألمحوا فيها إلى صعوبة الانسلال من التجربة الاتحادية، واحتمال معاقبة كل من تسول له نفسه من الأعضاء بالانسحاب أو تخريب مسيرة أثبتت نجاحها لزهاء سبعين عاما. واللافت انهم فعلوا ذلك بدون مخالفة واحدة للقوانين والمعاهدات ذات الصلة.

إلى ذلك ثبت أن توابع القرار البريطاني على الاقتصاد الدولي كانت محدودة جدا، حتى أن المعنيين لا يكادون يلمسون لذلك أصداء تستحق الانتباه.

نود القول بأن القرار البريطاني أضحى كالنار التي لا تأكل إلا موضعها. وفي غضون الأسبوع الثاني من مارس الجاري، خاض البريطانيون في لجة من التناظر والنقاش المفعم بالمرارة، واضطروا للتصويت في مجلس العموم لثلاث مرات على قضايا تخص كيفية الطلاق الآمن مع الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك فشلوا في هذا الاختبار.

استجلاء غموض صورة المستقبل البريطاني، في حال نفذ سهم البريكست، باتفاق مع بروكسل أو بغير اتفاق، نقل الكثير من مؤيدي الخروج سابقاً إلى المعسكر الآخر. وصولاً إلى تأطر البعض في جماعة تسمى(الباقون الآن )؛ تضم النادمين على تصويتهم لصالح البريكست؛ الراغبين في العدول عنه.

عطفاً على سياق البلبلة الآخذة بخناق الرأي العام البريطاني، نفهم أن أكثر المجتمعات رسوخاً في الديمقراطية، وأكثرها عملاً بدولة العلم والقانون والنظام والحريات الفكرية والسياسية والإعلامية، وأكثرها انصياعاً لوصايا مراكز البحث وخزانات التفكير، ليست مبرأة من الوقوع في فخاخ الخديعة والتغرير واتخاذ القرارات بناء علي مسوغات زائفة بقدر أو آخر. لسان حال جموع غفيرة من البريطانيين يقول «لو كنا نعلم حقيقة الأمر ما صوتنا للمروق من العباءة الاتحادية».

ترى من الملوم عن هذه الحالة؟؛ من هم الذين أدخلوا سواد البريطانيين في النفق الضبابي؟ الإجابة المتداولة أن المسؤولية هنا لا تتعلق فقط بذمة رئيسة الوزراء تيريزا ماي، ولا بفريق العاطفين معها على قرار الخروج من حزب المحافظين ومشايعيهم من أحزاب وأطر أخرى، بما في ذلك بعض العماليين. واقع الحال أن الطبقة السياسية بمجملها تتحمل عبء هذه الحيرة المجتمعية. فهي التي تلاعبت بالرأي العام، وجعلت من قضية البريكست مادة في منازعاتها الفئوية، شأنها في ذلك شأن ما يحدث في مجتمعات العالمين الثالث والرابع.

المشهد البريطاني لا يخلو من عبر ودروس بالغة العمق والدلالة؛ وذلك لمن أراد التفقه في الاجتماع السياسي لشعوب العالم الأول.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات