البطريرك محمد «غريغوريوس»

حين تتعطل البوصلة لا يعني أن الشرق يصبح غرباً ولا الشمال يصبح جنوباً. وكما الأمكنة لا يتغير مكانها فإن الأهداف الصحيحة لا تتغير. لا شخص يغيرها ولا السنون ولا الدين، يغيرها فقط السياسة، تلك المرأة اللعوب التي تميل حيث المصلحة والنزوة والمال وحب السيطرة يميل.

فلسطين، من البحر إلى النهر لم تتغير، بمسلميها ومسيحييها ويهودها غير الصهاينة. ومهما حاول المتطرفون زحزحة الأقصى وكنيسة المهد من مكانهما، فإن شعب فلسطين بمكوناته التاريخية والدينية لم يتغير. شعب من زيتونة واحدة، لا شرقية ولا غربية، عميق بجذوره الضاربة عميقاً في الأرض. عدوه واحد هو أولئك الذين حرفوا اليهودية عن دين موسى وألبسوها ثوباً صهيونياً وقناعاً نازياً وراحوا يسرقون فلسطين قرية قرية ومدينة مدينة، ويغوون أباطرة العصر بالمال والفساد والنساء، كما سالومي التي أغوت الإمبراطور الروماني الشرير هيرودس بجسدها، وطلبت منه أن يحضر لها رأس النبي يحيى «يوحنا المعمدان»، الذي فشلت في إغوائه، على طبق من فضة لتمنحه جسدها، وكان لها ما طلبت..

فلسطين اليوم، بعيداً عن تعرجات ومنحنيات السياسة وحالة الضعف، لم تزل كما هي، كل من عليها متمسّك بأرضه وانتمائه لها.

الأسبوع الماضي، قال المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس إن ما تتعرض له مدينة القدس من مشاريع استيطانية احتلالية عنصرية وما تتعرض له القضية الفلسطينية بشكل عام يجب أن يجعلنا كفلسطينيين أكثر وعياً وتضامناً ولحمة وأخوة وتفاعلاً وصدقاً واستقامة وانتماء لهذه الأرض المقدسة.

حالة الانقسام الفلسطيني الداخلية كما والأوضاع في مشرقنا العربي يستثمرها الاحتلال على الأرض، ويسعى لتصفية قضيتنا وسرقة مدينة القدس بشكل كلي.

وكما تحدثنا سابقاً عن مسحراتي عكا المسيحي وعن العدد الكبير من الأسرى والمناضلين المسيحيين الفلسطينيين ضد الاحتلال الصهيوني وعن القس الذي رفع الأذان في كنيسة المهد رداً على منع الاحتلال الأذان في الأقصى ومساجد فلسطين، فإن الشرخ السياسي الحاصل حالياً لم يؤثر على عظم الشعب الفلسطيني، ولن يغير موقف راعي الغنم في سهول رام الله والخليل ونابلس والقدس، أو يوقف نمو الانتماء الفلسطيني لبائع الخبز في حيفا ويافا واللد والرملة والناصرة، أولئك الأحياء في بطن الحوت الصهيوني.

في الثامن من يوليو 1972 أقدمت المخابرات الإسرائيلية على اغتيال الشهيد غسان كنفاني، وكطفل كبير «غار» كمال ناصر من جنازة الشهيد غسان، حيث قال في ذلك اليوم: «يا سلام. هكذا يكون عرس الكاتب الشهيد» وتساءل: ترى هل ستتاح لي هذه الجنازة يوماً؟ وفي العاشر من أبريل 1973. اهتزت الدنيا على وقع قلب بيروت وهي تشهد استشهاد القادة الثلاثة. وكان لكمال ناصر جنازة تغص بعشرات آلاف المشيعين كالتي اشتهاها، مع إضافة تليق به. فقد تبين أنه أوصى منذ استشهاد غسان بأن يدفنوه إلى جانبه. وهكذا دفن كمال ناصر المسيحي البروتستانتي في مقبرة الشهداء الإسلامية.

تاريخ العرب، مسلمين ومسيحيين، حافل بالوحدة بينهم في مواجهة أعدائهم.

فعندما مات عام 1928 البطريرك غريغوريوس حداد الذي كان شخصية إنسانية عظيمة وعلى درجة عالية من الوطنية والتسامح، شارك في جنازته 50 ألف مسلم دمشقي من بينهم عدد كبير من شيوخ المسلمين، وقيل إن المسلمين أرادوا الصلاة عليه في الجامع الأموي الكبير حتى أن الكثيرين أسموه محمد «غريغوريوس» و«أبو الفقراء» إنه واحد من رجالات بلاد الشام الذين عرفوا قيمة الوطن وصانوه ودافعوا عنه وعن أبنائه بالحب والعطاء علاقته مع الإسلام والمسلمين مثال يحتذى به في التسامح والمحبة ووحدة الحياة بين أبناء الأمة الواحدة-المجتمع الواحد.

كتب عنه العلامة محمد كرد علي في مذكراته:عرفت صديقي البطريرك غريغوريوس حداد قبيل الحرب العالمية الأولى، وبلغني عنه أنه بسبب المجاعة التي أصابت شعب هذه المنطقة أثناء الحرب العالمية الأولى، استنهض البطريرك الهمم لمساعدة الجائعين والبائسين وباع أملاك وأوقاف الطائفة الكثيرة في سوريا ولبنان ليشتري الطعام للمحتاجين بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو طائفتهم، وذات يوم أطل من نافذة غرفته المطلة على ساحة البطريركية يراقب الشماس يوزّع الخبز على طالبيه ولما رد الشماس امرأة مسلمة متحججاً أن القمح قد نفد من مخازن البطريركية، نزل إليه ونادى المرأة وقال:اعطني رغيف خبز، فلما تناوله قلبه بين يديه وقال له:«أنا لم أقرأ أنه كتب على الرغيف مصنوع من أجل المسيحي الأرثوذوكسي ؟ يا بني ادفع الصدقة لكل من يطلبها فالخلق كلهم عيال الله» وناول المرأة حصتها.

ما أحوجنا اليوم إلى إعادة البوصلة إلى الاتجاه الصحيح. فأعداء الأمس البعيد هم أنفسهم أعداء الماضي القريب والحاضر المستمر.

* كاتب أردني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات