هل تتراجع كوريا الشمالية في أجندة ترامب؟

رغم التصريحات المتفائلة التي خرجت من كل من واشنطن وبيونغ يانغ، فور انهيار القمة المشتركة بين الرئيسين ترامب وكيم غونغ أون، فالأرجح ألا يحدث تطور حقيقي في مفاوضات البلدين قبل عامين على الأقل.

ففي كل من كوريا الشمالية والولايات المتحدة كان هناك إصرار على إضفاء طابع التفاؤل على الأحداث. فصحف كوريا الشمالية لم تأت، كما نقلت الديلي تلغراف البريطانية، على ذكر مفردات مثل «الفشل» أو «انهيار» القمة. ووزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، أعرب عن تطلعه للعودة «سريعاً لمائدة المفاوضات». ورغم ذلك، تظل فرص تحقيق تقدم محدودة في الأمد القصير، لأسباب موضوعية دولية، بل وداخلية أمريكية.

فقد شرحت التقارير الصحفية التي تابعت القمة أن فشلها كان نتيجة اختلاف رؤية الطرفين لما يمكن تقديمه من تنازلات. فكوريا الشمالية طالبت برفع العقوبات الاقتصادية التي كانت قد فرضتها الولايات المتحدة منذ 2016، مقابل تفكيك مفاعل يونغبيونغ النووي.

لكن الولايات المتحدة رفضت رفع العقوبات، معتبرة ذلك دعماً للاقتصاد الكوري، بما يعزز قدرته على تطوير المزيد من أسلحة الدمار الشامل، خصوصاً أنه لم يكن هناك، من وجهة النظر الأمريكية، وضوح من الجانب الكوري بشأن المقصود «بتفكيك» مفاعل يونغبيونغ النووي، الذي يضم عدداً كبيراً من المنشآت وتمتد مساحته لأكثر من ثلاثة أميال. لكن الواضح مما نقلته التقارير الصحفية أن السبب المذكور أعلاه، لم يكن إلا مجرد السبب المباشر.

فالسبب الحقيقي، في تقديري، كان غياب الإعداد الجيد لمثل تلك القمة. فالمعروف، في العلاقات الدولية، أن مثل تلك القمم التي تتناول قضايا شائكة يسبقها، بفترة طويلة عمل شاق ومثابر لفريقي مفاوضي البلدين، حيث يدرسان معاً كافة التفاصيل الدقيقة حتى يتم التوصل لاتفاق بشأن أغلبها. ولا تنعقد القمة إلا بعد أن تكون التفاصيل قد أُشبعت بحثاً، وصار واضحاً لدى الزعيمين ما الذي يمكن تحقيقه بالضبط من وراء لقائهما.

والاختلاف بشأن رفع العقوبات أو معنى تفكيك مفاعل يونغبيونغ، كما قالت الصحف، معناه ببساطة أن تلك الموضوعات المركزية لم يتم بحثها أو حتى تعريف المقصود بها أصلاً قبل القمة. ومما يؤكد ذلك التحليل أن معنى تعبير «التخلص من السلاح النووي»، والذي تم استخدامه منذ قمة سنغافورة في يونيو، لم يكن متفقاً عليه بين الطرفين قبل قمة هانوي، ولا حتى بعدها بالمناسبة.

لذلك لم يكن مستغرباً أن أفادت صور الأقمار الصناعية، بعد أيام من انهيار قمة هانوي، بأن كوريا الشمالية قد أعادت النشاط لموقع تجارب الصواريخ في دونغتشانغ. وهو الموقع الذي كانت قد تعهدت بتفكيكه عشية قمة سنغافورة، وجرت بالفعل بعض الخطوات لتفكيكه في يونيو الماضي ثم ثبت توقفها منذ أغسطس.

أكثر من ذلك، فبينما شكك نائب وزير خارجية كوريا الشمالية في فائدة العودة لمائدة المفاوضات في الوقت الحالي، عاد مستشار ترامب للأمن القومي، جون بولتون، للغة التهديد، فقال صراحة إن بلاده ستشدد العقوبات الاقتصادية إذا ما ثبت لها أن كوريا الشمالية لا تقوم بالتخلص من برنامجها النووي «وكل ما يرتبط به». وفي أجواء كهذه، لا ينتظر أن يتم تحقيق إنجاز يغير بشكل جذري من معطيات الأزمة الكورية في الأمد القصير.

غير أن هناك سبباً إضافياً يجعل من الصعب تحقيق مثل ذلك الإنجاز قبل عام 2021 ويتعلق بالحلقات الانتخابية بالولايات المتحدة. فرئاسة ترامب اليوم في عامها الثالث، وهو العام الذي لا يشهد عادة إنجازات كبرى على صعيد السياسة الخارجية، إلا إذا كان قد تم وضع الأساس لها في العامين الأولين.

والعام الثالث هو أيضاً عام دخول الإدارة الأمريكية، أية إدارة، في طور الواقعية. فالرئيس الجديد يأتي للحكم بلا خبرة في السياسة الخارجية، وبأجندة سياسية طموح دون أن تكون بالضرورة قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. لكن مع حلول العام الثالث، لا يكون لدى فريق الإدارة رفاهية التجريب في قضايا خارجية قد تنتهي بفشل تكون عواقبه السياسية وخيمة على حملة الرئيس الانتخابية للفوز بمدة ثانية.

أما العام الرابع، أي عام انتخابات الرئاسة نفسه، فيكون العام الذي تتراجع فيه قضايا السياسة الخارجية، عموماً باستثناء تلك التي تفرض نفسها فرضاً على الرئيس وإدارته.

لذلك، فالأرجح أن تسعى إدارة ترامب لتقليل الضرر وإضفاء طابع متفائل، بالضبط كما فعل بومبيو، على العلاقة بكوريا الشمالية، مع سحب القضية بالتدريج بعيداً عن الرئيس نفسه، وإلى أروقة وزارة الخارجية.

ذلك هو ما يحدث بحكم العادة في النظام السياسي الأمريكي. لكن يبقى السؤال الأهم متعلقاً بترامب نفسه الذي يستحيل التنبؤ بأدائه. فإلى أي مدى سيلتزم الرئيس الأمريكي بمثل تلك الاستراتيجية المعتادة والتي تهدف بالأساس لحمايته انتخابياً؟

* كاتبة مصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات