مسار العلاقات الهندية الباكستانية مرتبط بمصير «أزهر»

أثبتت الأحداث الأخيرة في جنوب آسيا بين الجارتين النوويتين (الهند وباكستان) أنّ السلام الهش القائم بينهما قد ينهار فجأة، بفعل أطراف حمقاء لا تريد لهذا السلام أن يستمر. قد يكون وراء ما حدث في 14 فبراير المنصرم دول، لكن المؤكد هو مسؤولية ما يسمى «جيش محمد» الإرهابي عنه، فالأخير تبنى علناً عملية تفجير الحافلة العسكرية الهندية داخل الجزء الهندي من مقاطعة كشمير المتنازع عليها، فكان هذا هو الهجوم الأكثر دموية ضد الهند في المقاطعة منذ عام 1989.

هذا الحدث جعل العالم يحبس أنفاسه منتظراً رد الفعل الهندي الذي تمثل في قيام الطائرات الهندية المقاتلة بدك تجمعات جيش محمد داخل الأراضي الباكستانية، ثم عاد ليحبس أنفاسه مجدداً ليرى ما ستقدم عليه باكستان كرد لردة الفعل الهندية، وبقية القصة بطبيعة الحال معروفة.

حسناً فعل رئيس الحكومة الباكستانية عمران خان بإطلاق سراح الطيار الهندي الأسير وإعادته إلى وطنه سالماً، فقد نزع بهذا العمل الحكيم النادر في المواجهات الهندية الباكستانية فتيل أزمة توقع الكثيرون أنها سوف تشعل الحرب الخامسة بين الجارتين من بعد حروب 48 و65 و71 وحرب مرتفعات كارجيل سنة 99، لكن يبقى السؤال هو هل انتهت الأزمة وتداعياتها بهذه البساطة؟

جوابنا هو كلا، لأن الموضوع قابل للتكرار طالما أنّ جيش محمد ناشط، وزعيمه المدعو «مولانا مسعود أزهر» حر طليق (تنفي باكستان وجوده على أراضيها).

وجيش محمد، للذين لا يعرفونه على حقيقته، جماعة معروفة جيداً عند الهنود، فقد كانت مسؤولة عن عمليات إرهابية عدة راح ضحيتها الكثير من الأبرياء ومنها قيامه عشية الاحتفالات بقدوم الألفية الجديدة بخطف طائرة مدنية هندية، حيث طالب الخاطفون استبدال الركاب الـ 150 بـ 36 من أتباعهم المحتجزين في السجون الهندية. وبعد مفاوضات عسيرة دامت 8 أيام قلـّص الخاطفون مطالبهم إلى إطلاق 3 سجناء شريطة أن يكون على رأسهم «مسعود أزهر»، الذي كانت السلطات الهندية قد اعتقلته سنة 1994 بعد تسلله إلى كشمير الهندية للالتقاء ببعض الكشميريين الانفصاليين..

وفي اعتقادي أن الهنود يشعرون اليوم بالندم لأنهم لو كانوا قد ضحوا بطائرتهم وركابها لكان أفضل لهم من تبعات إطلاق سراح أزهر، الذي سرعان ما عاد للتخطيط لعمليات إرهابية أخرى، ففي عام 2001 قامت جماعته بمهاجمة مبنى البرلمان الكشميري، وفي العام نفسه هاجمت رمز الديمقراطية الهندية ممثلاً في البرلمان الاتحادي في نيودلهي، ثم قامت في عام 2016 بعمليتين ضد المنشآت العسكرية الهندية تسببت إحداها في تحرك عسكري هندي عبر خط الحدود في كشمير.

ولهذه الأسباب يمكن القول: إن ما يحدد نمط العلاقات الهندية الباكستانية مستقبلاً هو مصير أزهر، وعما إذا كانت إسلام آباد ستتحرك ضده أم ستتركه طليقاً، يجند الأنصار ويحرضهم ويمولهم للقيام بأعمال إرهابية جديدة ضد الهند. (قامت باكستان بالفعل وقت كتابة هذه السطور بحملة واسعة في صفوف جماعاتها المتشددة).

والجدير بالذكر هنا أن الدبلوماسية الهندية تحركت سريعاً بعد الأحداث الأخيرة ونجحت في كسب العديد من القوى العالمية المؤثرة إلى جانبها مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا من أجل الضغط على باكستان لوضع حد لتسامحها مع أزهر، وجلبه للعدالة، خصوصاً أن هناك قراراً من مجلس الأمن الدولي برقم 1267 حول تصنيف «جيش محمد» منظمة إرهابية، هذا علماً بأن أزهر لم يصنف حتى الآن إرهابياً عالمياً، لكن الجهود الأمريكية والبريطانية والفرنسية وربما الروسية تعمل في هذا الاتجاه ليس لأن الرجل كان وراء كل الأعمال الإرهابية ضد الهند فقط.

وإنما أيضاً بسبب امتداد إرهابه إلى مناطق بعيدة مثل كينيا والصومال وبريطانيا في صورة التحريض والتجنيد وتدريس الأفكار الجهادية ونشر الكراهية. ويكفي دليلاً ارتباطه بحركة طالبان وتنظيم القاعدة ودعمهما، ناهيك عما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية من أنه ساهم بزراعة بذرة التطرف الأولى في أوساط البريطانيين المسلمين حينما زار بريطانيا وخطب في مساجدها عام 1993.

تبقى مشكلة الموقف الصيني في مجلس الأمن الذي قد يحبط، بالفيتو، أي قرار ضد جلب أزهر للعدالة، فبكين بسبب روابطها الخاصة مع إسلام آباد من جهة وعلاقاتها التاريخية المتوترة مع نيودلهي من جهة أخرى قد تخالف مواقف القوى العالمية الكبرى، على الرغم من أن الصينيين أنفسهم يشتكون من الإرهاب داخل حدودهم.

 

 

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات