مراكز الفكر والسياسة الخارجية الأمريكية

هناك اهتمام متزايد بدور مراكز البحث، أو ما يعرف بالإنجليزية بـ «ثينك تانك»، في صنع السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ويعود تاريخ هذه المؤسسات إلى وقت بعيد. ولكن بدأ تأثيرها يتزايد مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى في مواجهة الاتحاد السوفييتي.

وقد بلغ عدد مراكز البحث في الولايات المتحدة 1776 مركزاً، أنشئ 91% منها منذ 1951، وأكثر من 50% منذ 1970. ويجدر الإشارة إلى أن نحو 20% من هذه المراكز تتخذ من العاصمة واشنطن مقراً لها.

ويمكن تقسيم مراكز الفكر إلى عدة أصناف:

أ. المراكز الأكاديمية: وتنحو نحواً بحثياً محايداً وتتميز بتنوّع مصادر دعمها المادي.

ب. المراكز التعاقدية: وهي مراكز تتعاقد مع الحكومة المحلية أو الاتحادية لتقديم الدراسات أو المشورات الأكاديمية للجهات الحكومية. وتتلقى أتعاباً مقابل هذه الخبرات والدراسات.

جـ. المراكز الترويجية: ورغم أنها تحاول أن تقوم بأبحاث علمية إلا أنها متحيزة إلى وجهة نظر معينة تحاول ترويجها، سواء كانت محافظة أو ليبرالية. كما أن مصادر تمويلها تأتي من مجموعات لها مصلحة أو تحيز إيديولوجي.

د. المراكز الحزبية: وهي مراكز تنتج أدبيات تدعم توجه حزب معين (ديمقراطي أو جمهوري)، ولا تكترث كثيراً بالظهور بمظهر علمي أو أكاديمي بقدر ما تحاول أن تروّج الحزب التابع له. وبطبيعة الحال تتلقى الدعم من الحزب التابعة له أو أنصار ذلك الحزب.

ويظل السؤال الملح حول تأثير هذه المراكز في صنع القرار، وخاصة أن هناك كثيراً من الأكاديميين في الجامعات الأمريكية والذين يتضاءل تأثيرهم على صنع السياسات العامة بالمقارنة مع مراكز الفكر. ولعل مرد ذلك الاعتقاد السائد في دوائر صنع القرار بأن مراكز الفكر لديها الأجوبة عن القضايا التي تشكل اهتمامات صانع القرار. كما أن الأكاديميين في الجامعات الأمريكية تنصب اهتماماتهم بالقضايا النظرية وليس السياسات التطبيقية، رغم تقاطع الاثنين.

فالباحثون في مراكز الفكر يهتمون بالأسئلة الملحة وأحداث الساعة وليس القواعد الرئيسة التي تحرك هذه الأحداث كما يفعل الأكاديميون في الجامعات. أضف إلى ذلك أن كثيراً من الباحثين في هذه المراكز شغلوا مناصب حكومية في السابق، ما يعزز معرفتهم بديناميكية صنع القرار وثقة صانع القرار بالباحثين.

وتتجلى تأثير مراكز الفكر على دوائر صنع القرار بعدة آليات مباشرة وغير مباشرة وهي:

أ- الشهادات التي يدليها الباحثون أمام لجان الكونغرس حول مواضيع اختصاص اللجان المتعددة فيها مثل لجنة الشؤون الخارجية، أو القوات المسلحة أو الموازنة.

ب- الاتصال المباشر بين باحثي هذه المراكز وأعضاء موظفي الكونغرس أو البيت الأبيض والوزارات المختلفة.

ج- العلاقات المتراكمة بين دوائر صنع القرار ومراكز الفكر عبر استقطاب كبار موظفي الإدارات المتعاقبة في هذه المراكز وتوظيف أعضاء هذه المراكز في الإدارات المختلفة.

د- التواصل اليومي بين دوائر صنع القرار ومراكز الفكر لطلب المشورة في مواضيع متعددة.

ه - الظهور المستمر لباحثي هذه المراكز في وسائل الإعلام لإبداء الرأي في مواضيع الساعة وبالتالي تشكيل الرأي العام باتجاه معين.

و- الندوات والمحاضرات وورش العمل التي يحضرها المسؤولون الحكوميون وأعضاء الكونغرس وما لها من تأثير على تشكيل أطر النقاش في مواضيع شتى.

ز- الدراسات والكتيبات التي تنشرها هذه المراكز ووسائل توزيعها المتقن لدوائر صنع القرار.

ح- الهيئات الاستشارية التابعة لهذه المراكز والمشكلة من كبار رجال الأعمال وساسة مما يعطي هذه المراكز سبلاً إلى المواقع العليا في المجتمع والدولة.

ومن أهم هذه المراكز هي مؤسسة راند الشهيرة. فالأخيرة تنتمي إلى مراكز الفكر المتعاقدة. ورغم صبغتها التعاقدية، إلا أنها تحاول أن تتحلى بالموضوعية والأكاديمية في تناولها المواضيع المختلفة.

ويعود تاريخ المؤسسة إلى العام 1946، عندما أنشأت القوات الجوية الأمريكية «مشروع راند» أو Project RAND وهي اختصار لـ Research ANd Development أي البحوث والتطوير، للقيام بتطوير الأسلحة على المدى البعيد. ولعل الرغبة في قيام المؤسسة بدور مستقل، حتى لا تتعارض مصالحها مع راعيها في تقديم مشورات موضوعية، انفصلت راند في العام 1948 كمؤسسة غير ربحية وقد تبرع صندوق فورد بمنحة لتحقيق هذا الاستقلال لراند.

ولقد تطورت المؤسسة إلى عملاق دولي تقوم بأبحاث في مجالات تتعدى شؤون الدفاع لتشمل القضايا الاقتصادية، والصحة العامة، والتعليم. وتقوم المؤسسة بإسداء الاستشارات إلى الحكومة الأمريكية وحكومات أجنبية، إضافة إلى المنظمات الدولية والشركات التجارية وحتى الأفراد. وتوظف المؤسسة حوالي 1700 شخص في أفرعها الرئيسية الثلاثة في الولايات المتحدة. كما أن لها فرعين في أوروبا (بريطانيا وبلجيكا).

وتقوم راند ببحوث على أسس ومعايير علمية ومنهج يغلب عليه التحليل الكمي، وجل مواردها المالية ومصادر تمويلها من حكومة الولايات المتحدة وبعض المؤسسات الخاصة مما يجعلها موجهة باتجاه اهتمامات الحكومة أو الجهة المانحة. وفي هذه التقاطعات تكمن التحيز السياسي والإيديولوجي في بحوث وتوصيات المؤسسة. إضافة إلى ذلك فإن التكوين الذهني والنفسي للباحثين المشتغلين في راند مجير باتجاه حماية المصالح الوطنية الأمريكية بدواعي الوطنية أو بدواعي مهمة ووظائف المؤسسة منذ ولادتها.

هذه مؤسسات مهمة لمن يهتم بالولايات المتحدة وسياساتها الخارجية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات