عشاء على مائدة «لعنة العمر »!

ثلاثة أشياء لا تعود إذا ذهبت: الكلمة والطلقة والعمر. الأولى قد تنمحي بالاعتذار، والثانية قد تخطئ الهدف وتذهب سدى، أما الثالثة فلا قوة تعيدها. ولأن القضايا كالإنسان تحيا وتموت، تمرض وتشفى، فيبدو أن قضايا العرب الأساسية مقبلة على مرحلة موت سريري لعشر سنوات قادمة، وعلى الأخصّ القضية الفلسطينية.

في عام 2003 أطلق الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن مقولة «حل الدولتين»، دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب «دولة إسرائيل» وحدد عام 2008 لإقامتها. قبل العرب بالمقولة وتمسّكوا بها. مرّت سنة وسنتان وعشر وها هي تمر السنة 16 ولم تنشأ دولة فلسطينية، فيما تسمّنت «إسرائيل» وتكرّشت وابتلعت مستوطناتها أراضي شاسعة من أراضي الدولة الفلسطينية الموعودة. وحصلت على اعتراف أمريكي بالقدس عاصمة لها.

اليوم يحدثونك عن صفقة القرن على أراضي غزة وجزء من سيناء مقابل «إسرائيل الكبرى» على كامل أراضي الضفة الغربية. وقد طبق الجزء المتعلق بالقدس «عاصمة أبدية لإسرائيل»! كما طبقت إدارة ترامب إلغاء حق العودة بوقف مساعداتها المالية للأونروا، وها هي تغلق القنصلية الأمريكية وتدمجها بالسفارة في القدس. وتعتبر القنصلية العامة في القدس أكبر بعثة تخصّ الفلسطينيين، الذين يسعون بدعم دولي واسع إلى أن تصبح القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.

إلى ماذا ستنتهي صفقة القرن؟

نقل المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، عن مسؤول سياسي إسرائيلي قوله إن موظفاً مركزياً في الإدارة الأمريكية، مطلع وضالع في «صفقة القرن»، التي يعمل على صياغتها الرئيس دونالد ترامب وعدد قليل من مستشاريه، أبلغه بأنه بعد نشر هذه الخطة «سيكون بإمكان أي عائلة (فلسطينية) أن تجلس حول مائدة العشاء، وقراءة الخطة مع الأولاد وسترى إلى أيّ مدى يجدر تبنيها. وهم سيمارسون ضغطهم على أبو مازن»، محمود عباس.

وقال المسؤول الإسرائيلي إنه لم يصدق ما سمعته أذناه من موظف في الإدارة الأمريكية يتجول في الشرق الأوسط، منذ انتخاب ترامب رئيساً.

لكن الموظف أضاف أن الخطة كُتبت بصورة بسيطة جداً، ومن دون صياغات قانونية، وفي المقابل توجد فيها «أوصاف هدفها إقناع الجمهور الفلسطيني إيجابياتها، مثل توافر العمل والمال وحرية التنقل وسيادة معينة».

وبحسب فيشمان، فإن المسؤول الإسرائيلي سجل ملاحظة أمامه، مفادها أنه «عندما تلتقي السذاجة والهواة فهذه وصفة لكارثة».

وخطة ترامب تدخل رسمياً إلى قائمة آخذة بالاتساع لعوامل تسرّع الانفجار بين إسرائيل والفلسطينيين. وأضاف أنه لم تشارك جهات مهنية في الإدارة الأمريكية الضالعة بتعقيدات الوضع في الشرق الأوسط في صياغة «صفقة القرن». فوزارة الخارجية الأمريكية استبعدت. كما أن الطاقم الصغير في مجلس الأمن القومي الأمريكي الذي يساعد في بلورة موقفي مبعوثي ترامب، جاريد كوشنير وجيسون غرينبلات، انحسرت مساعدتهما في تجميع معطيات واستبعدا من النتيجة النهائية للخطة، التي صاغها كوشنير وغرينبلات والسفير الأمريكي في إسرائيل، ديفيد فريدمان. ولم يتم إشراك السلطة الفلسطينية في أي مرحلة.

يقول مسؤول إسرائيلي إن تقارير وصلت من دول عربية «لا تبشر بجديد». وبحسب هذه التقارير، فإنه على الرغم من أن كوشنير قال خلال لقاءاته في الدول العربية إن خطته «تنطوي على أمور جديدة، ومثيرة، ويوجد فيها عنصر اقتصادي مذهل»، ونشرت صحيفة نيويورك تايمز أنها تشمل استثمار مبلغ 25 مليار دولار في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال 10 سنوات، إلا أنه «ينقص هذه الخطة عدة أمور صغيرة يمكن أن تسمح للدول العربية بتأييدها، مثل دولة فلسطينية على أساس خطوط 1967، مع عاصمة في القدس الشرقية، أو تبني مبادرة السلام العربية بكاملها».

ويقول المسؤول الإسرائيلي إنه لا توجد لدى الأمريكيين خطة بديلة، وفي حال رفضها فإنه لا توجد إجابة لدى أيّ أحد في الإدارة الأمريكية. وبحسب مسؤول أمريكي فإنه «في حال كانت إجابات الجانبين لا تسمح بالاستمرار، فإننا سنرحل عن هذا الموضوع». ما يعني بالنسبة لنا نحن العرب إضاعة 10 سنوات أخرى، كما ضاعت خارطة الطريق وحل الدولتين دون أي حل. والرابح الوحيد من لعبة إضاعة الوقت هو «إسرائيل».

 

كاتب أردني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات