اختبارات قياس عقلية الموظفين

أحد الأمور التي أدرسها لطلبتي في الجامعة، كيف تقيس جهات العمل الكبرى ما يدور في عقولهم من معلومات وأفكار وهمة وحماسة أو تراخٍ وفتور.

وذلك عبر اختبارات خاصة ازدهرت أنواعها في العصر الحديث. فصار هناك اختبارات تقيس القدرات العقلية، والمهارات الذاتية (نقاط القوة والضعف)، كما تقيس الاختبارات الشخصية النفس البشرية عبر سبر أغوارها في محاولة لكشف بواطن الأمور التي قد يخفيها أحدنا.

ومثل أي اختبارات أو أبحاث أو مقياس علمي تنقسم حوله الناس بين مؤيد ومعارض. لكن هذه الاختبارات تبقى مؤشراً يكشف جانباً من شخصيتنا. ولا يجب أن نعتمد عليها اعتماداً كلياً حتى لا نقلل من شخصية الإنسان التي يصعب تكوين انطباع حقيقي وشامل عنها إلا بعد طول العشرة والاحتكاك.

وتتدنى أهمية هذه الاختبارات مع القياديين أو أصحاب الخبرات لما لديهم من رصيد الخبرة التي يمكن التحقق منها عبر ما يسمى بالـ background check بإجراء الاتصالات اللازمة وطلب مزيد من الأدلة.

غير أن اختبارات القياس أو القبول ربما تصلح للخريجين الجدد ممن ليس لديهم الخبرة الكافية. هؤلاء يمكن أيضاً أن نطبق عليهم «اختبارات الضغط» مثل أن يلعب المسؤولون دور الشرطي الوديع والحازم bad cop للضغط النفسي على المتقدم لمعرفة مدى صموده أمام الضغوطات، أو تظاهر أحدهم بعدم اكتراثه بالمتقدم للوظيفة في حين يقبل الوديع على المرشح باهتمام حتى يحتار الموظف الجديد بأدائهم المتناقض.

كما يمكن تطبيق اختبارات أو لقاءات افتراضية يفترض فيها المسؤولون حالات معينة قد يتعرض لها، وكيفية خروجه منها، مثلاً ماذا تفعل مع موظف متمرد على ضوابط الحضور والانصراف، أو عميل غاضب. أو مثل ذلك الموظف الذي سألته ونحن على وشك تعيينه: هل لديك رغبة في تكملة دراستك؟ فقال نعم بعد عامين تحديداً!

هنا أخبرت زملائي باللجنة بضرورة اللجوء إلى المرشح الثاني لأننا سنضيع وقتنا في تعليم شخص سيغادرنا قريباً لتكملة تعليمه. اللافت أن قلة خبرة هذا الشخص جعلته يجيب بتلقائية عن سؤال كشف خطته المستقبلية. ومن الأسئلة المباغتة هل تحب التعامل مع الزبائن، فإذا كانت الإجابة بـ«لا طبعاً» حتماً سيستبعده قسم التسويق أو المبيعات كمرشح محتمل.

ومن أهم الاختبارات التي أثبتت نتائجها مؤشرات لافتة تستحق الاهتمام ما نسميه باختبارات الـ job-knowledge مثل اختبار التقدم على مهنة المحاماة، أو التمريض وما شابه، واختبارات أخرى تقيس مدى انسجام المتقدم مع بيئة العمل.

أما أغرب الاختبارات التي رأيتها فكانت، «اختبارات الكذب» polygraph التي يستخدمها المحققون في التحقق من المعلومات التي يدلي بها المجرمون أو المتقدمون لوظيفة ما. غير أن القانون الأمريكي الصادر عام 1988 لا يسمح باستخدامها على الموظفين العاملين في القطاع الحكومي.

وهي برأيي غير لائقة أصلاً في عالم التوظيف مهما كانت مرتبة الشك بالموظف. ومن أغربها أيضاً اختبار التعرف على شخصية الفرد من خط اليد Graphoanalysis الذي يستخدم في التعرف على المجرم من خط يده. ويستخدم فعلياً في أوروبا لفرز طلبات التوظيف واستبعاد البعض الآخر لضمان انسجام المرشح في بيئة العمل.

وهناك قضية في غاية الأهمية، وهي أن كثيراً من هذه الاختبارات ليست كلاماً مرسلاً أو أسئلة مصفوفة من بنات أفكار أرباب العمل، بل تخضع لمعايير إحصائية بحثية منها تحليها بعنصر الاعتمادية reliability الإحصائي بمعنى أنها إذا تكررت في نطاقات متعددة جاءت بنتائج متسقة مع سابقاتها. وأن تكون أسئلتها ذات صدقية validity أي أنها تقيس ما يفترض أن تقيسه علمياً.

وسيبقى الجدل حول تبني الاختبارات من عدمه قائماً، لكننا لا يجب أن نختلف على حسن اختيار المرشح أياً كانت وسيلة انتقائه.

كاتب كويتي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات