دود دبلوماسية القمة في هانوي

فشلت قمة هانوي بين الرئيسين الأمريكي والكوري الشمالي، وأصبح واضحاً أن التوصل إلى اتفاق ينزع سلاح كوريا الشمالية النووي لن يحدث قريباً.

لقد أصبح هذا معروفاً الآن، ولكن مازال علينا أن نعرف كيف وصلنا إلى هذه النقطة، وكيف قبل الرئيس الأمريكي المقامرة بمقامه الكبير بالمشاركة في مفاوضات فاشلة، وكيف سمح لرئيس كوريا الشمالية كيم يونج أون، والذي سبق أن وصفه بالصبي البدين، بتعزيز صورته كمفاوض قوي، وشخصية صلبة لا يسهل تليينها.

دبلوماسية القمة هي نوع جديد نسبياً من الدبلوماسية، فتاريخياً كانت المفاوضات هي مهمة المفاوضين والدبلوماسيين المحترفين، وكان الرؤساء والملوك يكتفون بإعطاء التعليمات لممثليهم، ومباركة الاتفاقات التي يتوصلون لها.

في القرن الخامس عشر كتب فيليب دي كومينس، الدبلوماسي والمؤرخ الكبير من إمارة بورجاندي الإيطالية، أنه إذا أراد اثنان من الأمراء العظام تقوية العلاقة بينهما فعليهما تجنب الالتقاء وجهاً لوجه، وعليهم بالمقابل التواصل من خلال ممثلين لهم، على أن يختاروا ممثليهم من بين أهل الحكمة والذكاء.

وعلى نفس المنوال سار دين أتشيسون، وزير خارجية الرئيس الأمريكي هاري ترومان، الذي لم يكن يحبذ لقاءات القمة،فالرئيس– وفقاً لأتشيسون - لا يجب أن يوضع في صدارة العلاقات الخارجية، لأن الرئيس هو خط الدفاع الأخير، وفشله يعني أن الطريق إلى المرمى أصبح مفتوحاً.

لا يمكن فصل السياسة التي يمارسها الزعماء عن رؤيتهم لنفسهم وللعالم، ومعتقداتهم بشأن الميراث الذي عليهم تركه لبلادهم والعالم. لدى الرئيس ترامب شكوك عميقة في الطبقة السياسية الأمريكية وفي بيروقراطية واشنطن، أي في هؤلاء الموظفين الذين احترفوا اقتناص الوظائف الحكومية في خدمة الإدارات المختلفة.

على الجانب الآخر فإن نجاحات الرئيس ترامب في مجالات المال والأعمال تبرر له اعتبار نفسه مفاوضاً من طراز رفيع، يستطيع بقدراته التفاوضية إيجاد حل للمشكلات المعقدة، وبإمكانه أن يعقد للولايات المتحدة اتفاقات أفضل من تلك التي يعقدها الموظفون البيروقراطيون والرؤساء السابقون محترفو السياسة.

لقد شجعت هذه التصورات عن الذات والعالم الرئيس ترامب على قبول اللقاء مع رئيس كوريا الشمالية مرتين في أقل من عام واحد، وفي كل مرة التقى فيها الرئيسان ارتفعت التوقعات، وهو أحد مخاطر دبلوماسية القمة، لما تضعه التوقعات المرتفعة من ضغوط على الزعماء. لم تكن نتائج قمة ترامب– كيم أون الأولى في سنغافورة مبهرة، لكنها بالتأكيد لم تفشل.

فقد نتج عنها إعلان مشترك غير مسبوق، حتى ولو كان مكتوباً بلغة غامضة؛وظن الكثيرون أن القمة الثانية ستكون هي المناسبة التي يعلن فيها الزعيمان التوصل للاتفاق الذي طال انتظاره بمبادلة نزع سلاح كوريا الشمالية النووي مقابل رفع العقوبات وتطبيع وضع كوريا الشمالية في النظام الدولي اقتصادياً وسياسياً، لكن القمة انتهت دون التوصل إلى اتفاق، فكانت الصدمة.

كان المتصور هو أن الرئيس ترامب لن يذهب لقمة ثانية بغير مفاوضات تحضيرية تحول الإعلان الغامض الذي صدر عن القمة الأولى إلى خطوات عمليه؛ لكن يبدو أن ثقة الرئيس ترامب في قدراته، وفقدانه الكامل للثقة في البيروقراطية والسياسيين شجعه على قبول مخاطرة الذهاب إلى القمة دون أن يكون واثقاً من نتائجها.

لكن في القمة وجد الرئيس ترامب نفسه في موقف يحتم رفض طلبات الجانب الكوري الشمالي بالرفع الفوري للعقوبات، وقام الرئيس ترامب بإنهاء المفاوضات قبل موعدها المقرر، وهو الإجراء الذي كان ضرورياً لحماية المصالح الأمريكية، وإعلاناً بأن دبلوماسية القمة ليست دائماً أكثر فعالية من القنوات الدبلوماسية التقليدية.

لكن ماذا عن الرئيس الكوري الشمالي، وطبيعة الحسابات التي دفعته للذهاب حتى آخر الشوط، ثم العودة بلا اتفاق؟ لقد عاد الرئيس كيم يونج أون بلا اتفاق، لكنه لم يعد إلى المربع رقم واحد الذي كان عنده قبل بدء المفاوضات. فقد أفادت دبلوماسية القمة الجانب الكوري الشمالي؛ ففي الحسابات النهائية جلس رئيس كوريا الشمالية الصغيرة مرتين على قدم المساواة مع رئيس القوة العظمى رقم واحد.

وقبل أشياء ورفض أشياء أخرى، الأمر الذي عزز مكانة الرئيس كيم يونج أون في بلده وداخل أروقة نظامه. لقد منحت القمة - بغض النظر عن نتائجها - دفعة إيجابية قوية للرئيس كيم أون، فقد مثلت اعترافاً بمكانة وقدرات الزعيم الكوري الشمالي، الذي كان ينظر له البعض قبل ذلك كشخص غريب الأطوار، ولكن القمة منحته الفرصة لتقديم نفسه كزعيم مسؤول، لا يفتقر إلى المنطق، ويمكن العمل معه.

عاد الرئيس كيم أون لبلاده دون أن يقدم تنازلات إضافية للأمريكيين، فمازال بإمكانه مواصلة تطوير ترسانته النووية، وإن كان عليه الآن أن يتروى في اختبار الصواريخ والقنابل النووية التي يطورها.

لكن المكسب الأهم الذي فاز به الرئيس كيم أون فيتمثل في التعاون الاقتصادي المتنامي الذي شرع في تطويره مع كوريا الجنوبية.

والتي يبدو أن الحكومة في كوريا الجنوبية تنوي مواصلته بغض النظر عن نتيجة المفاوضات النووية، باعتبار أن استمرار التعاون بين الحكومتين في شطري كوريا هو الضمانة لاستمرار السلام في شبه الجزيرة الكورية، وهو أيضا الجسر الذي ربما يخلق فرصة جديدة للعودة للمفاوضات مرة أخرى.

ومن وجهة نظر الرئيس كيم يونج أون فإن هذا يمثل بديلاً ممتازاً يغنيه - ولو مؤقتاً -عن اتفاق مع الولايات المتحدة يكون ثمنه هو نزع سلاح كوريا الشمالية النووي بشكل كامل.

* كاتب ومحلل سياسي
 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات