الحزب الديمقراطي والسياسة الخارجية الأمريكية

أحد عشر مرشحاً حتى الآن ولا يزال يفصل بيننا وبين يوم الاقتراع العام عشرون شهراً كاملة، فالانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستجري في نوفمبر 2020 بدأت بالفعل منذ شهور طويلة، لكن خلال الأسابيع القليلة الماضية أعلن عشرة من الديمقراطيين رسمياً ترشحهم للمنصب، بينما أعلن خمسة آخرون على الأقل أنهم يدرسون الترشح، أما حزب ترامب، فلم يعلن سوى جمهوري واحد أنه سيسعى لانتزاع ترشيح الحزب من الرئيس الحالي.

ورغم أن الولايات المتحدة تظل استثناء بين دول العالم في المدة الطويلة للغاية التي تستغرقها حملات الرئاسة، إلا أن مثل ذلك الإعلان المبكر عن الترشح للمنصب لم يعد جديداً، فالجديد هذه المرة هو أن السياسة الخارجية حاضرة منذ اليوم الأول للحملة الانتخابية، فترشح برني ساندرز من جديد لمنصب الرئاسة بعد أن أثبت في حملة 2016، أن بإمكانه الفوز، جعل الكثيرين يناقشون مواقف ساندرز في السياسة الخارجية، وبالذات فيما يتعلق بالشرق الأوسط، فهو اليهودي الأمريكي اليساري صاحب المواقف المعروفة في انتقاد سياسات إسرائيل.

ولأن الحزب الديمقراطي بل والإعلام الأمريكي كان، في حملة 2016، منحازاً ضد ساندرز ولصالح هيلاري كلينتون، فإن وجود ساندرز هذه المرة كونه مرشحاً جدياً منذ البداية من شأنه أن ينشئ حواراً من نوع مختلف بخصوص إسرائيل، بين المعارضين لمواقف ساندرز والمؤيدين لها على الأقل داخل الحزب الديمقراطي، فوجوده في السباق سوف يدفع المرشحين الآخرين دفعاً لاتخاذ موقف من القضية الفلسطينية، مثلاً، بعد أن صارت أقرب للنسيان على الساحة الأمريكية وبشكل غير مسبوق.

وليس أدل على ذلك من موقف السناتور إليزابيث وارين، التي أعلنت خوضها المعركة الرئاسية، فوارين استبقت الإعلان عن ترشحها رسمياً بكتابة مقال قبل شهور لمجلة الفورين أفيرز، كان لافتاً فيه الغياب المطلق لإسرائيل، رغم أنه أتى على ذكر حلفاء الولايات المتحدة حول العالم وناقش أغلب قضايا السياسة الخارجية الأمريكية،

لكن يظل مقال وارين بالفورين أفيرز ذا دلالة على طبيعة الإجماع الجديد الذي يتشكل في يسار الحزب الديمقراطي بشأن السياسة الخارجية، فلم تكن وراين هي أول من يذكر أن السياسة الخارجية الأمريكية تبدأ من الداخل الأمريكي، فهي قالت في مقالها إن الولايات المتحدة «بحاجة لسياسة خارجية تفيد كل الأمريكيين»، وترى أن قوة الداخل الأمريكي هو العماد الأول لسياسة خارجية قوية.

ويحسب لوارين أنها ضمن عدد قليل من السياسيين الأمريكيين، الذين يجرأون على الحديث عما أطلقت عليه «الإرهاب الداخلي»، أي تلك الجماعات الأمريكية المؤمنة بأفكار التفوق الأبيض والعنصرية والذين يستخدمون العنف والإرهاب، لكن وارين تقول أيضاً: إن الديمقراطية الأمريكية صارت مهددة بفعل السياسة الخارجية التي تم اتباعها منذ عهد بوش الابن، والتي سمحت بالتوسع المذهل في صلاحيات مؤسسة الرئاسة على حساب الكونجرس، ومن خلال السياسات الاقتصادية التي رفعت الميزانية العسكرية بالتزامن مع خفض واسع للضرائب مما أثر على قدرة الحكومة على الوفاء بمطالب أغلبية الأمريكيين وحاجاتهم الحيوية.

وعليه، تتعهد وارين بإعطاء الأولوية للاقتصاد الأمريكي في الداخل والخارج، ومن المعروف أن وارين من أهم المناهضين لدور الشركات الأمريكية العملاقة التي «تحقق أرباحاً خيالية على حساب الغالبية» الساحقة من الأمريكيين.

ورغم أن ترامب يناهض «العولمة» إلا أن وراين تناهضها من على يسار الساحة الأمريكية، فهي، مثلها مثل ترامب، ترفض اتفاقات التجارة الحرة، التي تم صنعها في العقود الماضية، ولكنها، على عكس ترامب، تسعي لإعادة التفاوض بشأنها من أجل حماية العمال والبيئة، مع وضع قواعد لعمل تلك الشركات، ووراين أيضاً من الداعين للحد من التدخل العسكري الأمريكي في الخارج.

ويستطيع المتابع للساحة السياسية الأمريكية أن يلمح ما يشبه الإجماع في جناح اليسار في الحزب الديمقراطي حول أغلب تلك النقاط، فهي النقاط نفسها التي عبر عنها الأعضاء الجدد من الديمقراطيين، الذين فازوا بمقاعد بالكونجرس في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

لكن هذا الإجماع لا يعني بالضرورة أن تلك المواقف ستكون المعبرة عن الحزب الديمقراطي بانتخابات الرئاسة، فأغلبية مرشحي الرئاسة حتى الآن ينتمون لجناح اليمين في الحزب، جناح هيلاري كلينتون.

كما صوت أغلبية الديمقراطيين بالكونجرس لصالح منع ترامب من سحب القوات من سوريا وأفغانستان، لكن اللافت أيضاً أنه بينما تعاني الدبلوماسية الأمريكية في عهد ترامب، وتقلصت ميزانيتها بشكل كبير، إلا أن أياً من جناحي الحزب لم يعلن موقفاً في ذلك الشأن.

ومن هنا فإن فترة العشرين شهراً القادمة ستكون بمثابة امتحان للحزب الديمقراطي، فجناحا الحزب سيخوضان معركة ليست على الرئاسة، وإنما معركة حول هوية الحزب ذاته، وستكون السياسة الخارجية الأمريكية في القلب من تلك المعركة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات