الجزر الإماراتية والحساسية الإيرانية

الكثير من الأزمات الدولية فيها بعض مساعي ومحاولات السياسيين لإيجاد حل أو مخارج لتحقيق تفاهم بينهم، أحدث تلك الأزمات وكانت تبدو مستعصية على التطرق فيها الأزمة الهندية - الباكستانية والتي تمتد لأكثر من نصف قرن، وكذلك الأزمة الكورية الشمالية، لكننا مع إيران لا نكاد نجد مؤشراً واحداً يجعلنا نتفاءل بتعليق الأمل بأنها ستعمل يوماً للتفاهم مع العالم أو مع العرب أو جيرانها الأقربين في منطقة الخليج، فكل التوقعات المستقبلية مع هذا النظام أمامنا تبدو أنها معتمة وغير واضحة.

وبالتخصيص ففي كل أزمة سياسية بين الدول العربية وجوارها الجغرافي هناك مراهنات بين المحللين على إمكانية عبور إيجابي لخطر ما، وبغض النظر إن كانت تلك التوقعات كتب لها أن تتحقق أو أنها باءت بالفشل، كما هو الأمر مع إسرائيل حول قضية القدس والدولتين أو إثيوبيا على سبيل المثال، وإنما تبقى الفكرة الرئيسية في حديثنا أن هناك أملاً ولو بسيطاً يرونه في هذه الأزمة.

ولكن تبقى مشكلتنا المزعجة مع الجار الإيراني الذي يكاد يكون على خلاف مع أغلب الدول العربية وخاصة جوارها، وأقدم تلك الخلافات احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، فالمؤشرات التي نراها معه فيها تقلقنا على التعامل المستقبلي، والمشكلة الأكبر أنه عندما تطالب الإمارات بحقوقها فيها يبدأ النظام الإيراني يتشنج ويتحسس إلى درجة يفقد صوابه في ردوده، في دلالة على إدراكه لموقفه الضعيف، لأن الأمر ليس قانونياً ولا شرعياً وغير معترف به، كما ذكر معالي الدكتور أنور قرقاش قبل يومين.

ردود الفعل الإيرانية المتكررة على مطالب الإمارات بحقها في جزرها تكشف أن السياسيين الإيرانيين الذين يخرجون لعقد مؤتمر صحفي لإعادة الأسطوانة المشروخة في رفض تلك المطالب وإطلاق التهديدات، تكشف لنا مدى القلق والحساسية التي يعيشون فيها كنتيجة طبيعية لضعف موقفهم وحجتهم فيما يفعلون، لذا فإن هذه الردود بدلاً من أن تكون مناسبة للتفكير في أسلوب لحل الخلافات مع الجيران أو إعادة حقوقهم، تكون سبباً في زيادة توتر العلاقات من جديد وخلق مشاكل جديدة ليس مع الإمارات فقط ولكن مع المجتمع الدولي، كون أن المطالب الإماراتية تدعمها الشرعية الدولية، وبالتالي تكون سبباً في تعقيد أية تفاهمات سياسية أو محاولات مع النظام الإيراني وبالتالي غضبه السياسي و«تشنجه الصبياني» يؤثر على السمعة السياسية لإيران وعلى قراراتها.

من مفارقات الأقدار وسخرياتها أنه في الوقت الذي تسير فيه كل دول العالم نحو البحث عن منافذ ومخارج لأزماتها، وقد عشنا خلال الأيام الماضية تجربة عملية لافتة ورائعة في الأزمة الهندية - الباكستانية التي جعلت العالم يعيش قلقاً كبيراً، ولكن بعد وقت قصير أبدى العالم إعجابه للقيادتين في البلدين حول إدارتهما لواحدة من أعقد الأزمات الدولية، بل وتحول الحديث عن مكاسب سياسية مشتركة، في نفس الوقت نجد النظام الإيراني عكس ذلك تماماً، فهو يكرر تعنته السياسي ويعقد الأمور إلى درجة بروز قضايا سياسية جديدة، ويتعمد في ترك آثار سلبية لدى الرأي العام أو بالأصح يعمل على ترسيخ صورة أنه نظام لا يلقي بالاً على النهج العالمي نحو تحقيق الأمن والاستقرار الدولي.

على كل فإن اتساع نطاق خصومات إيران مع جوارها العربي، والاشتباك مع الدول الكبرى والمجتمعات بعد إثارة النعرات في لبنان واليمن وسوريا وغيرها من دول العالم، بجانب أنه يمثل استغراباً شديداً من إصرار هذا النظام على الإساءة لنفسه ولشعبه، فإنه دليل على حالة التخبط وعدم الوضوح في اتخاذ القرارات، وبالتالي ما كشفته استقالة وزير خارجيتها جواد ظريف ونية روحاني لزيارة العراق الأسبوع القادم لا يخرج عن تلك الدرجة من الحساسية المفرطة التي وصفها معالي الدكتور قرقاش في التعامل مع الملفات الإقليمية والعالمية.

لم يعد يساور أحد شك في أن القائمين على النظام الإيراني يبذلون جهداً دون قصد لعزل أنفسهم وإقصاء دولتهم وشعبهم عن العالم بأكمله وليس الإقليم، فتصرفات هذا النظام تثبت أن هناك مسافات كبيرة في طريقة تفكير قادة إيران وتفكير قادة العالم خاصة في منطقتنا، فإذا كان هناك أمل قائم في كل الأزمات بين الدول فإن الأمل في الأزمات التي فيها إيران شبه مفقود!!.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات