معضلة من معضلات المستقبل

لم نحاول يوماً إلا أن نرسم صورة مشرقة للمستقبل، هكذا نرى المستقبل دائماً، القادم أجمل، وهو أجمل بإذن الله، ولكن هذا لا يمنع من الخوض في أكبر معضلة ستواجه البشرية في المستقبل؛ مشكلة الغذاء والتي يعدها الباحثون والمتخصصون على أنها ستكون من أكبر المشاكل المؤثرة في التوجهات السياسية المستقبلية، وستكون هي السبب الرئيسي في معظم الحروب، صحيح أن المشكلة بدأت من فترة، ولكن لم تظهر على الساحة بثقلها المجتمعي، بل أقفل عليها في أدراج الحكومات والمنظمات العالمية، فما هي الحلول؟، وما هي المعيقات التي ستواجه هذه الحلول؟!.

التلوث والتغير المناخي من أهم المعيقات التي تهدد الحلول الممكنة للسيطرة على أزمة الغذاء، فنسبة التلوث في ازدياد يوماً بعد يوم، فبحسب تقرير أعدته شركة IBM Research تتنبأ فيه أن في عام 2050 سيكون نسبة المواد البلاستيكية في المحيطات ستفوق أعداد الأسماك، وهذا وضع خطير جداً ولا يقل خطورة عما نحن عليه الآن، فنسبة التلوث الحالية مرتفعة جداً وهذا ما أدى إلى ما نشهده من تغير المناخ، وحالة عدم الاستقرار الجوي، والذي تزداد درجاته كلما ازدادت نسبة التلوث على كوكبنا.

يرى البعض أن إيجاد كوكب آخر بديلاً عن الأرض هو الحل الوحيد الذي أمامنا، فكوكبنا وطاقته الاستيعابية والإنتاجية لم تعد تكفي لكل هذه الأعداد من البشر وهذا بفضل التكنولوجيا الحديثة التي عالجت الكثير من الأمراض، وأيضاً بسبب حالة السلام العالمي، ويرى البعض أن تحديد النسل هو الحل الأكثر منطقية خصوصاً للدول التي تزداد أعداد سكانها بشكل كبير، وصحيح أن هذا الحل منطقي إلى حد ما إلا أنه بالمقابل هناك الكثير من الدول ترفضه، بل هناك العديد من الأديان تحرم هذا التوجه.

بحسبة بسيطة لو طبقت أي دولة نظام تحديد النسل وكان عدد سكانها 50 مليوناً مثلاً، وأجبرت مواطنيها على عدم الإنجاب بما يزيد على طفل واحد، فهذا يعني أن الجيل القادم سيكون عدده 25 مليوناً، في حين أن الدول التي تسمح بإنجاب طفلين فعلى الأقل ستكتفي بعدد سكانها دون زيادة، بينما الدول التي تتيح عدداً لا محدوداً من الأطفال فبأقل من 50 سنة من الممكن أن يتضاعف عدد سكانها، وهذا ما يحدث في الهند والتي ستسبق الصين في تعداد السكان في الوقت القريب جداً، ومع هذه الزيادة في أعداد البشر سيصبح القتال من أجل الحياة أمراً واجباً في المستقبل.

الوضع الحالي والتنبؤات المستقبلية تحتاج لاهتمام أكبر لإيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة، ولهذا تقول شركة «أي بي إم» إن الحل سيكمن في التكنولوجيا، وإن التطورات المستقبلية ستحرز تقدماً ملحوظاً في إيجاد حلول عملية لمشكلة الغذاء، حيث إن التكنولوجيا ستوفر لنا معلومات أكثر دقة عن حاجة العالم من المواد الغذائية وتقارنه بكميات الإنتاج، وستمكننا من اكتشاف التلوث الغذائي بطرق بسيطة وعملية، بخلاف القدرة التي ستوفرها العلوم الحديثة من معالجة آثار التلوث البيئي وعمليات إعادة التدوير، وأيضاً العلوم والطرق الزراعية الحديثة التي ستستصلح الكثير من الأراضي وستساهم بمشاركة علوم الجينات من إنتاج المحاصيل الزراعية بخلاف مواسمها وبكميات وجودة عالية.

صحيح أن التكنولوجيا ستساهم في تقليل نسبة التلوث وستساهم في الكثير من الحلول، ولكن تبقى التكنولوجيا هي أيضاً الخطر الأكبر على البشرية، فبقدر ما ستساهم إيجاباً في تحسين حياة الناس، إلا أن استغلال تطوراتها خصوصاً في التسليح والحروب سيعمل على دمار الأرض وحرقها وجعلها غير صالحة للاستعمال البشري، وهنا تكمن المفارقة في القدرة على معالجة هذا الأمر والحد من خطورته، وعلى المؤسسات المعنية أن تأخذ في الحسبان مثل هذه التهديدات.

هذه أرضنا وهذه مقدراتنا، شئنا أم أبينا نحن المسؤولون عن خرابها ودمارها، ونحن المسؤولون أيضاً عن تحسين نوعية الحياة عليها، والاهتمام بالبيئة وبالقضايا الاقتصادية أمر مهم على الحكومات أن تتخذ فيه قرارها الحازم والصارم في مواجهته، وعلى المنظمات الدولية أن تراعي النسبة بين التطور في التكنولوجيا السلمية والتكنولوجيا غير السلمية أو الحربية، فكلما تطور الإنسان انحاز انحيازاً واضحاً نحو حماية نفسه وحماية مقدراته، وإن كانت الوجهة عبر التسلح باستخدام الذكاء الاصطناعي وجيوش الروبوتات، فنحن مقبلون على مستقبل غير واضح والسيطرة عليه أمر في غاية الصعوبة، وقبل أن ندخل في هذه المتاهات علينا تنظيم هذه الأعمال بإنشاء منظمات رقابية على التسلح من هذا النوع كما هو معمول به في التسلح الكيمياوي والنووي، فالتكنولوجيا الحربية المستقبلية لا تقل خطورة عنهم.

الأرض وما عليها الآن من مقدرات لن تكفي الشعوب القادمة، وعلى حكومات اليوم أن تفكر بوضع حكومات المستقبل، وخطوة مثل الخطوة التي مضت عليها دولتنا بإنشاء بنك للطعام ووزارة معنية بالأمن الغذائي ما هو إلا خطوة إيجابية نحو مواجهة مخاطر المستقبل والمشاريع والمبادرات القادمة ستكون أكبر وأشمل، وعلى حكومات العالم أن تحذو حذو دولة الإمارات وتمضي على نهجها في مواجهة أخطر الأمور المدمرة التي من الممكن أن تقضي على شعوب بأكملها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات