التوجّهات العنصرية وصناعة الفاسدين

يسابق بنيامين نتنياهو الزمن كي يصل يوم الانتخابات النيابية الإسرائيلية المبكرة، في التاسع من أبريل المقبل، قبل أن يتلقى من الادعاء العام الإسرائيلي بضع إدانات، تكفي أي واحدة منها إلى تشويه ماضيه وتلطيخ حاضره ودفن ما بقي من مستقبله السياسي، هذا إن لم تزج به في غياهب السجن.

منذ فبراير 2018، أي لعام بطوله، تعرض نتنياهو لأكثر من جلسة تحقيق على خلفية قضايا مشينة لا تسر الناظرين، أولاها تعرف بالقضية 1000، المتهم فيها بتلقّي رشاوى من أثرياء، بغرض تسهيل أعمال تنطوي على مخالفات قانونية.

ثانيتها، القضية 2000، المتهم فيها بمساومة رئيس تحرير صحيفة كبيرة (يديعوت احرونوت) لنشر أخبار إيجابية عنه. ثالثتها القضية الشهيرة برقم 4000، وخلاصتها منح مزايا لأكبر شركة اتصالات في الدولة، مقابل الحصول على تغطية إخبارية إيجابية له ولعائلته في موقع «واللا» الإخباري، الذي يسيطر عليه مالك الشركة. أما القضية الرابعة الموسومة برقم 3000 فهو متهم فيها بتلقي رشوة كبيرة في بيع ثلاث غواصات ألمانية لإسرائيل.

عطفاً على التورط في هذه القضايا، أوصى محققو الشرطة الإسرائيليون المستشار القانوني للحكومة، بإدانة رئيس الوزراء نتنياهو ونجله الأكبر يائير بالانغماس في السمسرة والرشوة والخداع وخيانة الثقة والكذب.

والمعلوم حتى الآن أن الإدانة الرسمية المطلوبة لم تصدر بعد، لكنها تمثل سيفاً مرفوعاً، قد يهوي على رقبة نتنياهو في لحظة أو أخرى.

المفارقة هنا، أن دونالد ترامب، وهو الرئيس الأميركي الذي يشاع أنه الأكثر تأييداً لإسرائيل، والأكثر تعاطفاً معها وأريحية تجاه سياساتها، وربما لا يبارى في اتباع أهوائها، قياساً بسلوكيات سابقيه من أسياد البيت الأبيض في واشنطن، يخضع بدوره لمساءلات وتفتيشات وملاحقات قضائية وأخلاقية، بحيثيات متزامنة ومماثلة تقريباً لحالة صديقه الصدوق نتنياهو.

تصريحات ترامب ومداخلاته ومعالجاته للقضايا الداخلية والخارجية، تنم عن شخصية مشحونة بمكنونات استعلائية ومنظورات تمييزية، قد ترقى إلى العنصرية بحق شرائح من المواطنين الأميركيين في الداخل، والتأفف من ثقافات وديانات وألوان أمم وشعوب في الرحاب العالمية.

سواد الأميركيين باتوا على دراية كافية بهذه السمات السلبية، وهم يتناظرون حولها ويتنازعون بين منحازين ومناصرين لها وبين رافضين ومعارضين.

هذا أمر يبدو عادياً ومقبولاً في اجتماعهم السياسي، بيد أن ما يعنيهم بإلحاح، لا سيما على مستوى النخب الثقافية الفكرية والأوساط السياسية الحزبية، هو ما ينسب إلى رئيسهم من تواطؤ مع الخصم الروسي التقليدي إلى درك السماح لموسكو بالتدخل في ملف الانتخابات الرئاسية، وممارسة أنماط من الكذب والمراوغة تحت القسم فيما يتعلق بارتكاب جرائم مالية وأخلاقية من قبيل تقديم رشاوى، وانتهاك قوانين تمويل الحملات الانتخابية، وتسريب معلومات عن الخصوم السياسيين وبخاصة هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي للرئاسة.

القوانين الأميركية تقارب هذه الانحرافات بشيء من الجدية، ولا تتهاون في إدانة مقترفها ومعاقبته بغض النظر عن مقامه ومكانته.

يتماثل ترامب مع نتنياهو في نوعية المخالفات والانتهاكات المنسوبة إليهما: الكذب والخديعة وخرق القوانين، ومحاولة تضليل العدالة والتوسل بالرشاوي المالية والإدارية، وإقامة علاقات مشبوهة واستخدام السلطة والنفوذ لمنافع شخصية تضر بالمصلحة العامة. وعموماً، يخوض هذان المسؤولان في لجة من شبهات الفساد متعدد الأبعاد والتفصيلات.

وطبقاً للنظامين السياسي والحقوقي وفلسفتي الحكم والإدارة في دولتيهما، فإن كليهما مطالب بتقديم عرائض إبراء للذمة وشهادات براءة مما هو منسوب إليه من نقائص وعيوب جوهرية. ترى هل تقوم مثل هذه المحاكاة على محض الصدفة، أم أن الثقافة ذات المضامين العنصرية تسوق معتنقيها، بشكل طبيعي ودون قصد، الي سلوكيات بغيضة بعينها على الصعيدين الداخلي والخارجي؟!

مشكلتنا مع هذه النماذج أن لبعض أصحابها، كترامب ونتنياهو، مداخلات وارتباطات وعلاقات عضوية شديدة التأثير في أبرز القضايا العربية، كالقضية الفلسطينية مثلاً.

وإذا كنا بصدد قادة متهمين داخل بلادهم بخرق نظم بلادهم الدستورية وتقاليد مجتمعاتهم وشرائعهم، ولديهم صحائف جنائية مفتوحة على مصراعيها في هذه الأطر الداخلية، فكيف يؤتمنون على قضايانا، أو أي قضايا تخصّ عوالم الآخرين؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات