من يلعب بالنار تحرق أصابعه

الهجمات الانتحارية التي تعرض لها الحرس الثوري الإيراني في الآونة الأخيرة تؤكد مقولة أن من يلعب بالنار تحرق أصابعه، وقد لعبت إيران بالنار كثيراً، منذ قيام الثورة التي تربع من خلالها الملالي على رأس السلطة في إيران عام 1979.

أربعون عاماً من اللعب بالنار، جابت خلالها قوافل إشعال الحرائق الإيرانية أنحاء العالم، تنشر الموت والخراب بأيدي عملائها ووكلائها في كل مكان تحت عنوان تصدير الثورة مرة، وتحت عنوان نصرة المظلومين مرة، وتحت عناوين خادعة كثيرة لا تمثل حقيقة أهداف النظام الإيراني، وإن كانت تحاول أن تبدو جميلة وبراقة، تخاطب وجدان الشعوب المخدوعة التي تعتقد أنها تتعرض للظلم والتهميش، خاصة التي تعاني أزمات وتعيش تحت سلطة المحتل، مثل الشعب الفلسطيني الذي تدّعي إيران أنها مسؤولة عن قضيته، وهي تتاجر بها في كل مكان وزمان، وتشتري بأموالها ومساعداتها ولاءات وضمائر بعض قادته.

رغم أن الخميني قد أقام في فرنسا أثناء نفيه في مرحلة ما قبل الثورة، حيث كان يجري اتصالاته مع الغرب والداخل الإيراني من مقر إقامته بضاحية «نوفل لو شاتو» الباريسية، وهناك حُشِد له رأيٌ عامٌ دوليٌ اشترك فيه سياسيون وإعلاميون ومفكرون وروائيون غربيون، وروج له حزبيون يساريون، رغم هذا كله إلا أن إيران لم توفّر فرنسا من العبث بأمنها الداخلي بعد نجاح الثورة.

وقد أعلنت باريس أكثر من مرة عن خلايا إرهابية إيرانية تعمل في الأراضي الفرنسية، وداهم الأمن الفرنسي أكثر من مرة مقرات مراكز إيرانية، وأوقفت السلطات الفرنسية إيرانيين، بينهم دبلوماسيون، بتهمة التخطيط لهجمات إرهابية داخل الأراضي الفرنسية، وأحبطت هذه الهجمات قبل وقوعها، وأعلنت أسماء المسؤولين عنها.

كما لم توفر إيران أمريكا اللاتينية من أنشطتها الإرهابية، واستخدمت ذراعها الخارجية «حزب الله» لمد نفوذها إلى دول عديدة من هذه المنطقة من العالم. وقد حذّر المدير التنفيذي للمركز الدولي من أجل مجتمعات آمنة وحرة، جوزيف هوميري، من تنامي حضور «حزب الله» في أمريكا اللاتينية، في إطار استراتيجية إيرانية متكاملة لتطويق القارة، والاقتراب أكثر ما يمكن من الولايات المتحدة.

وأكد الخبير الذي يُعد من أبرز المتخصصين في الشأن الإيراني بالولايات المتحدة، من الدور الذي يلعبه «حزب الله» في أمريكا اللاتينية خدمةً للاستراتيجية الإيرانية، خاصة في معاقله التقليدية، مثل فنزويلا وبوليفيا ومنطقة مثلث الحدود بين الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي، إلى جانب دول القارة الأخرى.

وتحدث «هوميري» عن شبكة واسعة أقامها الملحق الثقافي الإيراني بالعاصمة الأرجنتينية «بوينس آيريس» محسن رباني، متسلحاً بالحصانة الدبلوماسية التي توفر له حماية يتحرك ويعمل تحت ظلها.

وفي أفريقيا، لعب المال الإيراني والمساعدات دوراً كبيراً في بسط نفوذ إيران على القارة الأفريقية لتحقيق أهداف سياسية ومذهبية. وتمثل هذا المال في منشآت صحية أنفقت عليها إيران مليارات الدولارات، افتتحها مسؤولون على مستوى عال، كوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف.

كما تمثل في منشآت تعليمية ذات أهداف مذهبية، مثل جامعة «المصطفى» التي تتخذ من قم مقراً لها وتدار بإشراف مباشر من المرشد الأعلى علي خامنئي، تغلغلت إيران عبرها إلى المجتمعات الإفريقية مستفيدة من حالة الفقر التي يعيش تحت خطه ملايين الأفارقة، إلى جانب الرشى التي تقدم على شكل مساعدات حكومية. وقد كشفت حكومات إفريقية أكثر من مرة عن خلايا تابعة لحزب الله تتولى تبييض الأموال وتعمل في تجارة التهريب والسلاح والمخدرات.

أما في المنطقة العربية، فقد لعبت إيران بالنار أكثر من أي منطقة أخرى، وامتدت أذرعها إلى دول عربية كثيرة، كان أولها لبنان، حيث يقوم «حزب الله» بالدور الإيراني على أكمل وجه، ويلعب بالنار، ليس في لبنان فقط، وإنما في المنطقة العربية كلها.

وتعتبر لبنان النموذج المثالي للنفوذ الإيراني الذي فرض وجوده بالمال والسلاح. وامتد هذا النفوذ إلى سوريا بعد الأحداث التي عصفت بها خلال السنوات الثماني الماضية.

كما لعب الحرس الثوري الإيراني دوراً في هذه الأحداث، وأصبح وجه قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، مألوفاً في كل المناطق، يوجّه قواته، ويتفقد الأماكن التي حل بها الدمار على يد جنوده.

وفي العراق أصبح لإيران أكثر من وكيل، حيث تمثل الحالة العراقية نموذجاً مثالياً للنفوذ الإيراني الممتد من أعلى سلطة بالدولة إلى الميليشيات التي أصبحت تشكل جيوشاً أقوى من الجيش النظامي نفسه.

كما أصبح وجه سليماني مألوفاً هناك مثل وجوه القادة العراقيين، إن لم يكن أكثر، حيث تتغير وجوه هؤلاء القادة بينما وجه سليماني ثابت لا يتغير. أما في اليمن فيمثل حزب «أنصار الله» الحوثي الذراع الإيرانية المستنسخة من «حزب الله» اللبناني، ويقوم بدور الوكيل الإيراني على أكمل وجه.

ورغم كل ما بذلته إيران لمد نفوذها إلى البحرين والمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، إلا أنها فشلت في ذلك بفضل التحالف الذي تقوده المملكة، حيث جرى تحجيم إيران وعملائها هناك.

لعبت إيران بالنار في كل هذه الأماكن، واستخدمت أذرعها الظاهرة والخفية في زعزعة أمن بلدان وشعوب كثيرة، لتحقيق أهداف تصب في مجرى تحقيق أحلامها الإمبراطورية التي تريد إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء.

واليوم تجني إيران ما زرعته خلال أربعين عاماً، وتكتوي بالنار التي حاولت أن تكوي بها الشعوب الأخرى، فهل كانت إيران تتوقع أن تلعب بالنار كل هذه السنوات من دون أن تحرق أصابعها؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات