دولة على صفيح أمني ساخن

للمناقشات والمناظرات والحوارات والمؤتمرات وورش البحث والمداخلات والتصريحات وتقديرات الحالة، التي يقارب الإسرائيليون في سياقها قضاياهم وهواجسهم الأمنية، طبيعة متفردة يعزّ نظيرها لدى أي كيان سياسي آخر.

في هذه الأطر، يجري تداول تعبيرات وأفكار جذرية مثيرة للرهبة والقلق المزمن على حاضر الدولة ومستقبلها، من قبيل «التهديدات الوجودية» و«أخطار التدمير الشامل» و«نكون أو لا نكون». كثرة الثرثرة تحت هذا السقف المرتفع لمفهوم الأمن من شأنها زلزلة الوعي الجمعي لسكان الدولة، وإشعارهم بأن اجتماعهم السياسي وكيانهم الدولي، يقفان دوماً على شفا جرف هار.

في هذا النموذج الأمني لا مكان ولا مجال للتهاون أو الوسطية أو الاعتدال. كل المخاطر الحقيقية والمتخيلة، المحتملة وضعيفة الاحتمال، تمثل تهديداً يستحق اليقظة والمتابعة وخطط المواجهة العاجلة الاستباقية.

مثل هذه الوضعية لا يمكن أن ينشأ عنها أو يعيش في كنفها أناس أسوياء في كيان اجتماعي سياسي مستقر. هنا يحسب القوم أن كل صيحة عليهم، ولعلهم يقضون كل أوقاتهم ويدهم على الزناد، وينامون ليلهم بنصف عين، كما أن سيطرة الهموم الأمنية وغلبتها على ما عداها من يوميات الحياة تسوق كبار المسؤولين والمتنفذين إلي عروض وتفوهات متناقضة في بعض الأحايين.

أفراييم هاليفي، الرئيس الأسبق لجهاز الموساد، أكد في ندوة عقدت في واشنطن (أغسطس 2016 ) أن إسرائيل لا تواجه تهديدات وجودية على الإطلاق» حتى أنها يمكن أن تتفاوض مع حركة حماس دون وجل»، لكن الرجل نفسه قال بعد عامين (أبريل 2018 ) إنه مقتنع بأن إسرائيل بصدد تهديد وجودي ماحق عندما ينقص عدد اليهود عن عدد العرب بين النهر والبحر.

وفي الوقت الذي يردد فيه بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومعه وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، أن إيران تمثل تهديداً وجودياً لإسرائيل، يذهب موشيه يعالون وزير الدفاع السابق إلى أن «غزة بتظاهراتها وطائراتها الورقية على الحدود الجنوبية، تشكل تهديداً وجودياً علي الدولة».

الهوس الأمني جعل القادة الإسرائيليين يساوون بين التهديد الذي يستشعرونه من دولة بحجم إيران، وبين الخطر الذي يجسده جيب جغرافي، محاصر بالاحتلال والفقر ومخلفات الاعتداءات الإسرائيلية المدمرة لثلاث مرات في عشر سنين.

علاوة علي شهادة يعالون بحق غزة، يتصور الجنرال احتياط غرشون ها كوهين أن «الانسحاب من الضفة الفلسطينية المحتلة إلى حدود 1967 قد يعرض إسرائيل إلى خطر وجودي».

وبالتداعي، يصبح قيام الدولة الفلسطينية في جيبي الضفة وغزة، عملاً غير مرغوب فيه لأنه ينطوي على تهديد وجودي للدولة الصهيونية، وليس على المعنيين بتسوية الدولتين سوى الانتظار إلى حين يقتنع الإسرائيليون بأن أمن دولتهم في الحفظ والصون بنسبة مئة في المئة.

يلوك الإسرائيليون مفهوم «التهديد الوجودي» الرابض خلف الحدود بلغة لا تخلو من التشنج والمبالغة. وبالتوازي مع هذه الظاهرة، يلوحون باستمرار بقوتهم العسكرية والاقتصادية والعلمية والتقنية، التي لا تبارى، وقدرتهم على دحر أي تهديد يتربص بهم في طول الشرق الأوسط وعرضه.

هذه حالة مرضية، ربما كان مردها مكنونات عقلهم الباطن حول الخطيئة، التي يعنيها وجود مشروعهم الاستيطاني وكيانهم السياسي في بلاد الآخرين.

بين يدي هذه الحالة الملتاثة بتحري الأخطار الموصولة بمصادر خارجية، يعالج بعض الإسرائيليين التهديدات الرابضة في أحشاء الدولة من الداخل. مثلاً، يعتقد إيهود باراك، رئيس الوزراء الأسبق، أن التهديد الوجودي الحقيقي يتأتى من سياسات نتنياهو وبطانته التي «ستؤدي إلى أغلبية إسلامية في إسرائيل، وتحويلها إلى دولة ليست يهودية وليست صهيونية وليست ديمقراطية».

ولا يختلف بني غانتس رئيس حزب «المنعة لإسرائيل» وكذلك تامر باردو أحد رؤساء الموساد السابقين، مع هذا الرأي، بل يتجاوزان إلى القول بأنه لا توجد تهديدات لإسرائيل من خارج حدودها، لأن التهديد الوحيد لها يكمن في الانقسامات الداخلية والكراهية المجتمعية وما يدور في حلبة السياسات الحزبية من منازعات أهلية.

بتكثيف الحديث عن الظلمات الأمنية المتراكمة بعضها فوق بعض، والواردة على دولتهم من الخارج والداخل، يستهدف الإسرائيليون استدرار التعاطف العالمي، وتبرير سياساتهم العدوانية، لكن هذا الأسلوب يفضي بمرور الزمن إلى تحويل الأوهام إلى حقائق، وصناعة مخاوف يصعب انتزاعها من الصدور.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات