EMTC

مآلات المسيرة السلمية

يجري الحديث هذه الأيام عن المسيرة السلمية أو ما يعرف بصفقة القرن. ويبدو أن تفاصيل الصفقة متكتم عليها بشكل كبير. وقد استمعت مؤخراً لثلاثة أشخاص منخرطين بدرجات متفاوتة في العملية السلمية من وجهات نظر مختلفة إذا لم نقل متخالفة.

ويقول أحد الأطراف (وهو فلسطيني) مستنكراً كيف فشلت عملية السلام رغم وضوح الحل النهائي والمتمثل في دولتين مستقلتين. ويرى أن العائق كان من الجهتين الإسرائيلية والفلسطينية. ويعود الخلاف إلى السرد التاريخي للطرفين.

وأيضاً الفشل يعود للسياسة في إشارة إلى الاستقطاب الحاد بين الفلسطينيين وداخل المجتمع السياسي الإسرائيلي. ولكنه أصر أن السلام يمكن تحقيقه، رغم ما بدا عليه من إحباط. وأضاف أن العرب لن يغيّروا موقفهم من المبادرة العربية.

أما محاوره الإسرائيلي من معسكر السلام، فيرى أن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين معقد ولا يمكن تصنيف أطرافه بالأبيض والأسود. ويعود ذلك إلى البعد الديني والتاريخي والنفسي لكلا الطرفين. وأن الفارق بين الموقفين الإسرائيلي والفلسطيني حقيقي. ويضيف أن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة أضرّ بالتوصل إلى تسوية.

ويقول الإسرائيلي، وهو ضابط سابق في الجيش الإسرائيلي، إن الناخبين الإسرائيليين أموا إلى اليمين بسبب غياب شريك فلسطيني. وهناك ضغوط على الرئيس محمود عباس لعدم إحراز تقدم في العملية السلمية. وهناك سلبيات عديدة بين الطرفين والتي لن تتح للقيادتين من تحقيق اختراق حقيقي. ولكن هناك أملاً في تطبيع العلاقات مع الدول العربية والتي ستسهم في تقدم العملية السلمية.

أما الطرف الثالث وهو من الولايات المتحدة ناقش الأسئلة التي تدور حول صفقة القرن. وقد استهل حديثه بأن المبادرة، والتي سيعلن عنها قريباً، ستكون رؤية تحترم كافة الأطراف وقابلة للتطبيق. وأن المبادرة جاهزة ولكن سنختار التوقيت المناسب للإعلان عنها. ويجب الأخذ في الاعتبار الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل الحكومة العتيدة، وكذلك حلول شهر رمضان قبل إعلان المبادرة.

ويقول إن التغطية الإعلامية لهذه المبادرة تتميز بالإنصاف، وأن المبادرة تحتوي على أشياء جيدة للطرفين.

وحين استهجن الحضور اعتراف واشنطن بالقدس قبل التوصل إلى حل نهائي للصراع، خلافاً لما اتبعته الإدارات المتعاقبة. كان رد المسؤول أن اعتراف واشنطن هو اعتراف بواقع قائم وأن الرئيس ترامب رجل يوفي بوعوده. وحين أصبح رئيساً للولايات المتحدة لم يكن له سوى أن يعترف بعاصمة إسرائيل وهي القدس.

سأل مسؤول إسرائيلي سابق المسؤول الأمريكي إذا كان يعتقد بجدية أن قطع الإعانات للفلسطينيين يسهم في أمن إسرائيل. وكان رد المسؤول الأمريكي أن قطع المساعدات عن الفلسطينيين وعن الأونروا كان لإيقاف الفساد المستشري في هذه المؤسسة، وكذلك لفطم الفلسطينيين من الاعتماد على الإعانات بدلاً من البحث عن بدائل لهم.

ولا شك بأن ما يقوله المسؤول الأمريكي يعكس بحق توجّه الإدارة الأمريكية في إيجاد حل للصراع الذي دام قرناً من الزمن. ولا يبدو أن هذه الإدارة واللاتي سبقتها تمتلك عصاة سحرية لحل هذه المشكلة العويصة لأسباب لا يتسع لها المجال هنا. ولكن كيف تستشرف الأطراف حل هذه المشكلة من قبل هذه الإدارة.

فبالنسبة للفلسطينيين، فإن إدارة ترامب لا يمكن أن تكون وسيطاً نزيهاً، بسبب ما قامت به من خطوات أحادية تتنافى مع دور الوسيط. ففي مقالة للمفاوض الفلسطيني المعروف صائب عريقات نشرت في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، يقول عريقات إن إدارة ترامب «تبنت السردية والسياسة الإسرائيلية» وخالفت القوانين الدولية والتي تعزز من الاستعمار الإسرائيلي لفلسطين، ولا تجلب السلام للمنطقة.

وأضاف المفاوض الفلسطيني أن مهما حاولت الإدارة الأمريكية تهميش القضية الفلسطينية فإنها لن تستطيع فعل ذلك. وليس أبلغ من ذلك من ردة فعل الدول العربية الحليفة مع الولايات المتحدة والتي أعلنت أن «الأساس الرئيس للسلام والاستقرار يمر عبر تحرير أرض وشعب فلسطين. وأن المبادرة العربية لن تغير».

وبالنسبة للطرف الإسرائيلي فعلى ما يبدو أن الانتخابات القادمة لن تتأثر كثيراً بالمبادرة رغم أنها ستكون حاضرة. وتقول أحد المصادر إن تأجيل إعلان صفقة القرن تعود إلى طلب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو علها ستقود إلى فوز اليمين مثل «البيت اليهودي» بمقاعد أكثر لمناهضة أي حل سلمي.

ويراهن البيت الأبيض على نتنياهو لنجاح صفقة القرن وخاصة أنه منح رئيس الوزراء كثيراً من النجاحات سوى كان الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وتشجيع تطوير العلاقات مع الدول العربية. ولكن المشكلة أن نتنياهو قد لا يبقى في سدة الحكم سواء كان بسبب الانتخابات المقبلة أو المطاردات القانونية والتي تحوم حوله.

لا يبدو أن هناك أملاً كبيراً يرجى من المسيرة السلمية، وخاصة أن ليس هناك ما يجبر الاحتلال الإسرائيلي على التخلي عن الأراضي الفلسطينية في ظل الأوضاع الحالية. وليس هناك مرشح قوي في الانتخابات الإسرائيلية يجري على حل الدولتين حتى الساعة. وكما قال المؤرخ الإغريقي القديم ثوسيديدس: «القوي يفعل كما يريد، والضعيف يعاني كما يجب».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات