لغط حول الوجود الأمريكي في العراق

يبدو أن الاستقرار السياسي والأمني في العراق لا يزال بعيد المنال، فحجم الخلافات في الرؤى بين فرقائه السياسيين كبير، ولا تزال تتسم بأبعاد قد تخرجها عن سلمية مقاربتها في القادم من الأيام، لأن الساحة العراقية مسرح مرشح لاندلاع صراعات إقليمية أكبر من قدرات هؤلاء الفرقاء على الابتعاد عنها أو احتوائها أو التأثير على مساراتها.

المتاعب التي تواجه حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي كثيرة وفي تزايد مستمر، فهي إضافة إلى إخفاقها في استكمال طاقمها الوزاري مع مرور ما يقرب من سنة على تكليفها بذلك أصبحت في مواجهة ضغوطات شديدة جديدة تتعلق بالوجود الأمريكي وموقفها منه.

كتل سياسية ذات ثقل كبير في المجلس النيابي لا تخفي عداءها للولايات المتحدة وتحسسها من الوجود العسكري لقواتها، هذه الكتل تعمل على استصدار قانون في المجلس النيابي يتعلق بهذا الشأن.

وهو إلزام الحكومة بالطلب من الولايات المتحدة إنهاء وجودها العسكري في العراق خاصة بعد أن أعلنت القضاء على تنظيم «داعش»، وهو إعلان سابق لأوانه وذو طابع سياسي قد لا يرقى إلى المستوى المهني الذي يقنع الأجهزة الأمنية المحلية بصدقيته.

وقد أسهمت في تعزيز هذه الاتجاهات الضاغطة أحداث عديدة منها زيارة الرئيس الأمريكي المفاجئة لقاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار العراقية، بمناسبة أعياد الميلاد والتصريحات التي أدلى بها من هناك والتي قال فيها إن وجود القوات الأمريكية في العراق ضروري لمراقبة إيران.

مما أثار موجة ردود كانت تنتظر ما يساعدها على الانطلاق على خلفية تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران ودخوله طوراً جديداً تتحسب له إيران كثيراً مع انعقاد مؤتمر وارسو حول الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط الذي تركز حول إيران المتهمة الأولى بتعكيره وبالإساءة إليه.

ثمة أمر آخر أسهم في تصعيد هذه القضية الحساسة وهي الصور التي انتشرت وظهر فيها قائد عمليات التحالف الدولي الجنرال أوستن رينفورث بصحبة قائد عمليات بغداد بملابسهما العسكرية في شارع المتنبي وسط بغداد والتي أثارت جدلاً واسعاً حول دلالات هذا الظهور خاصة أنه تزامن مع ذكرى انسحاب القوات الأمريكية في الثلاثين من ديسمبر2011.

وقد سبق ذلك ظهور علني للقوات الأمريكية في بعض مدن محافظة نينوى مما أتاح للمعارضين للوجود الأمريكي مساحة واسعة نسبياً للحديث عن مدى الخروقات التي تقوم بها الولايات المتحدة لنصوص الاتفاقية الاستراتيجية التي وقّعتها مع العراق والتي تحدد بموجبها شروط حضورها العسكري على الأراضي العراقية.

وقد ترافق ذلك مع قيام إيران بالإعلان عن سحب مستشاريها العسكريين من العراق تمهيداً أرضياً للدعوات المتصاعدة. زيارة باتريك شاناهان وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة للعاصمة العراقية في الثاني عشر من فبراير الجاري واجتماعه مع المسؤولين العراقيين جاءت في سياق وضع الأسس لرؤية مشتركة حول الوجود الأمريكي في العراق في حقبة ما بعد «داعش»، وفق الحاجة الآنية لهذا الوجود وآفاق المستقبل بما لا يسبب الحرج للحكومة العراقية.

فمن المستبعد أن يكون موضوع الانسحاب من العراق متداولاً في الأوساط السياسية الأمريكية. أمام هذه الضغوطات دفع عبد المهدي بالقضية إلى مجلس النواب طالباً وضع تصور شامل حول ذلك.

القوات الأمريكية لم ترجع إلى العراق وبأعداد محدودة إلا ضمن قوات التحالف الدولي الذي تشكل لمحاربة الإرهاب مع دخول تنظيم «داعش» واحتلاله مساحات واسعة من الأراضي العراقية، إلا أن هذا الحضور ذا الطابع الأمني محلياً لا يقلل من أهمية الطابع السياسي لحضورها إقليمياً.

بالطبع من صلاحيات بل من واجبات أي نائب في المجلس الوطني أو أي مواطن عراقي أن يعمل ما بوسعه للدفاع عن السيادة العراقية، وتعزيز قدرات الدولة على الحفاظ على استقلالية قراراتها، ويبدي الرأي صراحة في ما يتعلق بالوجود الأجنبي في بلاده وبالمهام التي يقوم بها رفضاً أو قبولاً بشروط وضمن إطار زمني.

ولكن القرار النهائي بشأن ذلك يخضع لاعتبارات لا تحددها المزايدات السياسية، ولا الأهواء الشخصية لقادة بعض الكتل السياسية، ولا استجابة للضغوطات الإقليمية بل تخضع لمصلحة العراق الأمنية بالدرجة الأولى على الأمدين القريب والبعيد.

فهناك ضرورة لا تزال قائمة لتطوير التعاون الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة ومع غيرها في أطر احترام السيادة العراقية، والالتزام بحيثيات الأهداف التي يُتفق عليها.

* كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات