قمة «الحاءات الثلاثة» الأمريكية

مسألة حسم التمدد للنظام الإيراني في الدول العربية وإثارة الفوضى فيها مع زعزعة التعنت الفارسي والمحاولات الدولية لتعديل سلوكه السياسي لا يحتاج أكثر من: قصقصة أذرع إيران السياسية في المنطقة، ميليشيات حزب الله اللبناني وأفرعه المنتشرة في بعض دول المنطقة والعالم، وكذلك القضاء على «وليدها» الجديد في جنوب الجزيرة العربية «الحوثيين» الذين يحاولون السيطرة على المضائق والطرق البحرية العالمية وإعادة تأهيل حركة «حماس» الإخوانية التي تقف حجر عثرة أمام أي تسوية سياسية لاستقرار المنطقة من خلال التوفيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية أو إيجاد أي نوع من التفاهم السياسي.

فإذا أضفنا إلى العقوبات الاقتصادية التي تطبقها الإدارة الأمريكية على النظام الإيراني، منذ نوفمبر الماضي، أو تلك التظاهرات والاعتصامات التي يقوم بها الشعب الإيراني وانتقاداته لحجم الأموال التي يهدرها نظام الملالي، والتي صنعت من دول الجوار أعداء لهم، تلك الاستراتيجية الأمريكية التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في قمة وارسو في بولندا والتي سماها بـ«الحاءات الثلاثة» فإن قلق ملالي إيران سيتحول إلى خوف حقيقي من حدوث مأزق سياسي جديد بدأت تلوح إرهاصاته في الأفق الدولي كنتيجة طبيعية لمواقفها ضد الاستقرار الدولي.

مخرجات قمة وارسو الأخيرة أن السبب الرئيسي لعدم استقرار العالم مصدره النظام الإيراني لذلك المصطلح الجديد الذي أطلقه وزير الخارجية الأمريكي (الحاءات الثلاثة) سيكون هو الأكثر تداولاً خلال الفترة القادمة، فالمصطلح يختصر «قوة إيران الكامنة» وبالتالي فإنني أتفق أن مواجهتها تعني القضاء على مصدر مهم للغطرسة الإيرانية.

مهمة قمة وارسو الوحيدة هي تنظيم المواقف الدولية ضد إيران حتى وإن لم يخرج بقرارات أو مواقف صريحة ضدها ولكن التلميحات السياسية سواء المتمثلة في عدد الحضور (60) دولة مواقفها متقاربة تجاه رفضها الممارسات الإيرانية قامت باللازم، بل إن بعض المواقف السياسية الفردية لم تكن بعيدة عن توجيه إشارات على خطورة إيران وتهديداتها للاستقرار في المنطقة منها على سبيل المثال تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الذي أطلق «الحاءات الأمريكية الثلاثة».

ليس استنتاجاً بأن قوة النظام الإيراني في «الحاءات الثلاثة» لأن القرائن متوفرة عن أدوارها، أنه نظام لا يجيد فن المواجهة المباشرة، ولكنه لديه قدرة على توظيف من اعتادوا خدمة أجندته في المنطقة وعلى رأسهم الميليشيات السيئة الذكر، فالخطة الأمريكية الحالية مبنية على الاستفادة من حالة تأثر النظام الإيراني بنقمة شعبه من التمويلات المالية، إضافة إلى الوهن السياسي الناتج من العقوبات الدولية وتوظيفها كي يكون عاملاً مساعداً في الضغط على النظام وإرغامهم على تعديل سلوكهم مع الخارج، فالقمة هي بمثابة تكملة الحصار الناجح على نظام إيران ونشاطه حتى لو لم يخرج الموقف النهائي بشيء واضح ومشترك بين الجميع.

كل العرب تقريباً يعرفون «اللاءات العربية الثلاثة» ضد إسرائيل التي أعلنتها الدول العربية في قمة الخرطوم عام 1967 (لا اعتراف، لا صلح، لا تفاوض) كنتيجة لعنجهيتها واحتلالها الأراضي العربية وحددت من خلالها طبيعة العلاقة العربية معها، والتي ما زالت موجودة وإن كانت ليست بتلك القوة، في قمة وارسو هناك «حاءات أمريكية ثلاثة» تشترك مع اللاءات العربية في أنها إطار جديد للتعامل مع مهدد إقليمي للعرب وهو إيران، وبالتالي هذا الإعلان هو تمهيد لرسم العلاقة العربية والعالم أيضاً مع النظام الإيراني وتهيئة أرضية لكيفية وضع حد لتدخلاته.

من شأن هذا الإعلان الأمريكي لمصادر قوة إيران الفعلية أن يغير نظرة الكثيرين في العالم العربي تجاه قوة إيران الحقيقية وتجاه ما تقوم بها هذه الميليشيات من أداور، وبالتالي صناعة صورة جديدة حولها، ويتم التعامل معهم باعتبارهم خارجين عن القانون، وتفتح أعين المواطنين العرب على الأدوار الحقيقية لهذه الميليشيات، وهذا سيساعد على تصنيفهم إرهابياً على المستوى الدولي، لأنها قمة ستمثل نتائجها التي ستأتي لاحقاً منعطفاً جديداً ليس مع إيران ولكن مع الميليشيات والعالم، ولكن على المدى الأبعد.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات