مؤتمرات وتسوية متعسّرة

بينما كانت العاصمة البولندية وارسو تستقبل وفود القوى التي استجابت للدعوة الأميركية، للمشاركة فيما عرف بمؤتمر السلام والأمن في الشرق الأوسط، دعت الدبلوماسية الأيرلندية إلى عقد مؤتمر، قيل إنه سوف يلتئم وشيكاً، يهدف للتوصل إلى صيغة للتعامل مع «صفقة القرن» الأمريكية الإسرائيلية.

السياق الزمني لمداخلة دبلن، وسرعة التجاوب معها والوعد بالتمثيل على مستوى وزراء الخارجية من جانب فرنسا وألمانيا والسويد وهولندا، وتأكيد الداعين على الحضور الفلسطيني وإسناد حل الدولتين، وإبلاغ الفلسطينيين بأنهم ليسوا وحدهم، هذا كله يوحي بوقوف الاتحاد الأوروبي خلف هذه الخطوة.

وأغلب الظن أن هذا الحراك ينبني على استشعار القوى الاتحادية الأوروبية المتنفذة للمعاني السلبية؛ التي تضمرها لهم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتخاذها وارسو، وبقية منظومة دول شرق القارة، كمنصة إطلاق لمبادراتها ومخططاتها الشرق أوسطية.

لم يفاجأ الأوروبيون بإصرار واشنطن على الاستفراد بملف التسوية الفلسطينية، ولا بمواقف ترامب السلبية بحق الثوابت الدولية تجاه هذا الملف، كالاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل ومحاولة تقويض منظمة غوث اللاجئين الدولية (أونروا)، وإظهار العداء المفتوح ضد السياسة الفلسطينية والتضييق المالي والاقتصادي على سواد الفلسطينيين.

لقد توقعوا هذه السوءات، وسعوا إلى استباقها والتحذير منها عبر إعلان مؤتمر باريس؛ الذي رعته فرنسا في منتصف يناير 2017؛ قبيل وصول ترامب للبيت الأبيض بأيام معدودات.

المفاجأة الحقيقية للأوروبيين كانت في اتخاذ وارسو مكاناً لاستضافة المؤتمر الأخير، وعدم التفات ترامب لمقترحهم باستبدال المؤتمر بقمة مصغرة يشارك فيها بنفسه إلى جانب قادة بريطانيا وألمانيا وفرنسا فقط.

ومصدر الامتعاض هنا، طبقاً لبعض الدهاة، إدراك التيار الاتحادي الأوروبي بأن ترامب وبطانته يضمرون تعويم بولندا وقوى شرق أوروبا، على حساب عواصم غرب القارة وشمالها؛ الأمر الذي يستبطن في التحليل الأخير زعزعة هذا التيار وأطره من الأساس. هذا التصور يثير الاستفهام حول وقوع قضية فلسطين في فلك المناكفات الأميركية الأوروبية.

قبل عامين، غاب الأمريكيون والإسرائيليون عن مؤتمر باريس وسخروا منه ورفضوا مخرجاته، ومع أن الفلسطينيين غيبوا عن ذلك المؤتمر، إلا أنهم رحبوا بفكرته وبقراراته.

وقبل أيام حضر الأمريكيون والإسرائيليون بقوة في مؤتمر وارسو ونوهوا بنتائجه التي أعدوها مسبقاً؛ كما حضر الأوروبيون على مضض وبمستوى تمثيل منخفض، وغاب الفلسطينيون والروس. وإذا ما عقد مؤتمر دبلن، ستتفرق الأقوام إلى حاضرين وغائبين ومرحبين ورافضين ومتفرجين.

ومن مفارقات الإسرائيليين ومساخرهم بهذا الصدد، التبجح بالسؤال: كيف يمكن لإيرلندا أن تمارس دور الوساطة العادلة، وهي المنحازة ضد إسرائيل بمقاطعة المستوطنات؟ يريد الإسرائيليون انتقاء وسطاء على شاكلتهم ومن صنوهم؛ تتوفر فيهم خصائص الإذعان لسياساتهم العدوانية ومجافاة أحكام قوانين الأمم المتحضرة وقرارات الشرعية الدولية.

هذا المشهد الدولي المزدحم بالمؤتمرات الموصولة بشؤون الشرق الأوسط وشجونه، ينم عن الاهتمام بقضية التسوية الفلسطينية. لكنه يؤكد أيضاً على التنازع واختلاف الأهواء والمنطلقات والمرجعيات والنيات والأهداف، بين مختلف الأطراف المعنيين عن قرب وعن بعد. وأغلب الظن أن هذه الهوجة ستنتهي إلى زبد يذهب جفاء.

العلة هنا تكمن في الانحراف الإسرائيلي الأميركي عن جادة القوانين والقرارات الأممية ذات الصلة. فمن المعلوم للكافة أن كل صغيرة وكبيرة من مفردات الصراع على أرض فلسطين وجوارها، لها من القواعد والنصوص الحقوقية والقانونية نصيب وافر يؤدي، حال تطبيقه، إلى الاستغناء عن كل ما يطرح في المحافل والملتقيات؛ التي تنعقد بوتيرة مملة في مشارق الأرض ومغاربها.

الداعون إلى هذه المحافل وعرابوها، يتنافسون ويتبارون فيما بينهم، على أيهم الذي يتمكن من حشد الأطراف والقوى الدولية المعنية بالتسوية، بأعداد وقدرات ومكانات أكثر من الآخر. يحدث هذا في حين تمثل الأمم المتحدة ودوائرها أكبر مؤتمر دولي دائم عرفه التاريخ. وهي الجهة التي تملك ناصية القانون والشرعية الدولية، ولديها ما يكفي وزيادة لإقرار تسوية فلسطينية معقولة وقابلة للديمومة.

القصد، أن المؤتمر الأقدر على الحشد العالمي للتسوية؛ وفقاً لخلفيات معلومة وكلمة قانونية سواء، موجود بالفعل بين يدي الأمم المتحدة. وكلما بعدت الشقة هذه الآلية وأدواتها، ستبقى الحشود الأخرى مجرد مكملات وقفزات في الهواء؛ يرضى عنها البعض ويعرض البعض الآخر.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات