سياسة أمريكا الخارجية في خطاب الاتحاد

اللافت في خطاب الاتحاد الذي ألقاه ترامب لم يكن ما إذا كان أكثر تصالحية مع معارضيه من خطابه السياسي المعتاد، وإنما في عموميته الشديدة في تناول قضايا الخارج، بل والداخل بالمناسبة. وإن كان ما لم يتناوله الرئيس الأمريكي أكثر دلالة بكثير مما ذكره في خطابه.

ففور أن ألقى ترامب خطاب الاتحاد، اختلفت وسائل الإعلام الأمريكية حول ما إذا كان ترامب قد ألقى خطاباً تصالحياً يسعى لتجاوز الخلافات مع الديمقراطيين ويوحّد البلاد خلف قيادته، أم أن الخطاب استخدم لغة ترامب نفسها المثيرة للجدل وتزيد الفرقة بين القوى والجماعات الأمريكية المختلفة، وبين الحزبين الكبيرين.

لكن تلك مسألة لا ينتظر أن يحسمها خطاب واحد وإنما تعتمد على أداء الرئيس نفسه خصوصاً عند التفاوض مع المؤسسة التشريعية. ومن هنا، يظل مضمون خطاب الرئيس الأمريكي هو المهم. وفي هذا الإطار، بدت عمومية عبارات الرئيس، فضلاً عن غياب قضايا مهمة وكأنها المعيار الأفضل لتحليل خطابه.

فالسياسة الخارجية الأمريكية، مثلاً، احتلت مساحة صغيرة بشكل لافت في خطاب ترامب. ورغم أنه لم يكن جديداً أن يعكس الخطاب، التناقض والغموض الذي تنطوي عليه السياسة الخارجية الأمريكية منذ بداية عهد ترامب، إلا أن الجديد كان في عمومية تناول ترامب لعدد من القضايا بل وغياب قضايا أخرى بالمطلق.

ففيما يتعلق بالشرق الأوسط، بينما كان الموقف من إيران واضحاً في خطاب الرئيس الأمريكي، ظل الموقف من من أفغانستان وسوريا يتسم بالغموض بشأن الأولى والتناقض بخصوص الثانية.

فقد أشار الرئيس الأمريكي إلى المحادثات التي تجريها إدارته مع قوى وجماعات أفغانية مختلفة، مؤكداً أن بلاده ستسحب قواتها من هناك متى تم التوصل إلى «تقدم في تلك المفاوضات». إلا أنه عاد وأكد بنفسه أنه لا يعلم «ما إذا كنا سنتوصل لاتفاق»، ولم يحدد الرئيس جدولاً زمنياً ولا وقتاً محدداً.

أما فيما يتعلق بسوريا، فقد جاءت عبارات الرئيس لتؤكد المواقف المتضاربة للإدارة. فترامب عاد لتأكيد المعنى ذاته الذي ذكره من قبل بخصوص هزيمة داعش، مؤكداً أن الولايات المتحدة تعمل مع حلفائها من أجل القضاء على «ما تبقى» من داعش، ومن ثم مشيراً لضرورة عودة قوات بلاده، مؤكداً أنه قد «آن الأوان لأن نرحب بمحاربينا الشجعان في سوريا» في بلادهم.

وكان رؤساء أجهزة الاستخبارات الأمريكية قد أكدوا أمام الكونغرس أن داعش لم يهزم بعد، بينما صوتت المؤسسة التشريعية الأمريكية على رفض الانسحاب من كل من سوريا وأفغانستان.

غير أن قضايا الشرق الأوسط التي غابت عن خطاب الرئيس الأمريكي كانت هي الأكثر دلالة. فلم ترد القضية الفلسطينية مطلقاً في خطاب الرئيس، حيث كانت الإشارة الوحيدة من نصيب نقل السفارة الأمريكية للقدس. ولم يكن أقل دلالة أن غاب العراق أيضاً عن الخطاب، إذ لم يتم ذكره إلا في معرض الحديث عن داعش. أما العراق نفسه أو حتى القوات الأمريكية في العراق فلم يأت الرئيس الأمريكي على ذكرها مطلقاً. كما غاب عن الخطاب ما هو معتاد من ذكر حلفاء أمريكا في المنطقة وعلاقة الولايات المتحدة بهم.

وما ينطبق على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ينطبق على سياستها الخارجية عموماً في خطاب الاتحاد سواء فيما يتعلق بالتناقض والعمومية أو بغياب قضايا مهمة.

فبينما ذكر الرئيس مبدأ «أمريكا أولاً»، وتجنب «الحروب الحمقاء» في بداية خطابه، إلا أنه تحدث بفخر عن برامج الدفاع الصاروخي وزيادة الميزانية العسكرية لمستويات غير مسبوقة في عهده. وبينما تحدث تفصيلاً عن الانسحاب من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى مع روسيا إلا أن العمومية والغموض ظلت من نصيب ما قد يمثل بديلاً لتلك المعاهدة.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه فيما قاله ترامب بشأن كوريا الشمالية كان تأكيده على أن انتخابه هو الذي منع قيام حرب ضد كوريا الشمالية. وهو أمر جدير بالملاحظة فعلاً؛ لأن أحداً في أمريكا أو خارجها لم يتحدث عن آفاق مثل تلك الحرب إلا بعد إطلاق ترامب عبارات فور توليه الحكم صبّت مباشرة في خانة قيام تلك الحرب، ما أثار القلق حول العالم.

أما حلفاء أمريكا في أوروبا فلم يكونوا أفضل حظاً من حلفائها في الشرق الأوسط، إذ غابت القضايا التي ترى إدارة ترامب ضرورة العمل معهم بخصوصها. أكثر من ذلك غابت أفريقيا بالكامل من خطاب الرئيس. حتى أمريكا اللاتينية، فباستثناء فنزويلا لم يذكرها خطاب الاتحاد بكلمة واحدة.

بعبارة أخرى، فإن الموقع المحدود الذي احتلته السياسة الخارجية في خطاب الاتحاد يعكس مدى أولويتها لدى الرئيس الأمريكي. والقضايا التي غابت من الخطاب وتلك التي تناولها بقدر واضح من العمومية والغموض كانت أكثر دلالة من تلك التي تناولها بالفعل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات