الهندسة الابتكارية

إذا كان من الممكن أن يكون لمصطلح الهندسة الابتكارية في عصر اقتصاد المعرفة معنى أو تعريف محدد وواضح، فإن هذا التعريف يقتضي معرفة حدود المصطلح أولاً، وفقاً لرؤية عصر المعرفة، حيث نجد أن عصر المعرفة يقتضي دمج اقتصاد الابتكار في الشركات والمؤسسات، بدلاً من اعتبارات الماضي، التي كانت تعتبر الابتكار قوة مستقلة بذاتها، ما يجعل تعريف مصطلح الهندسة الابتكارية ممكناً، من حيث إنه دراسة مخاطر الابتكار وإداراتها، وهو لا يختلف في جوهره عن فروع علوم تخمين المخاطر.

بل إنه أحد هذه الفروع، فشروطها لا تختلف عن شروطه، ومع ذلك، فثمة رؤية شمولية مغلوطة حول ماذا يمكن أن يعني هذا المصطلح، وما حدوده، وترى أنه واسع ليعالج كل ما له علاقة بالابتكار في حياتنا، لكن التغير الحاصل في هذا العصر، يفرض على هذا المفهوم ألا يتجاوز المنظومة الواضحة التي يجري فيها التنافس بين الشركات والمؤسسات، وما يفرضه عصر المعرفة من تنظيم وحدود لها، فتصبح الهندسة الابتكارية محصورة في هذا التنظيم، الذي يعتمد في اقتصاده كلياً على القوة الابتكارية، والتي تمتد نتائجها سلباً وإيجاباً على كل مجالات الحياة.

بل هي المتحكمة كلياً في كل ما يمكن أن نراه من مظاهر الحياة، ويعيشه الإنسان اليوم، كجزء لا يتجزأ من شروط وأساسيات استمرار بقائه على الأرض، وهذا يفرض مجموعة من الأساسيات التي ينطلق منها هذا العلم «الهندسة الابتكارية»، في إدارة ومعالجة مخاطر الابتكار في الشركات والمؤسسات.

والهندسة الابتكارية لا تختلف عن مجال الهندسة المالية، والذي يقتضي أن تستغل فيه معارف وكفاءات المجالات الأخرى، وأهمها الرياضيات والاقتصاد والمعلوميات، لدراسة المعلومات بطريقة علمية عميقة، تساعد على اتخاذ القرارات الاستثمارية، دون المغامرة والتعرض لأخطار تقلبات الأسواق.

ويمكن افتراض نطاقين رئيسين تستغل فيهما الهندسة الابتكارية، وهما دراسة سوق الابتكار، ودراسة التوازن الابتكاري للشركات والمؤسسات.

كما يمكن أيضاً أن نلخص الأساسيات التي يمكن اعتبارها رئيسة، تنطلق منها الهندسة الابتكارية في إدارة ودراسة مخاطر الابتكار في الشركات والمؤسسات، وأول تلك الأساسيات «حوكمة الأخطاء»، «محافظ الخيارات» و«الدمج».

أما حوكمة الأخطاء، فتعني انفتاح الشركات المنغلقة على ثقافة النجاح المطلق على ثقافة تقبل الأخطاء في سياسات تعاملاتها مع فرق الابتكار في إطار حوكمة واضح ومفهوم، وهذه الأخطاء في هذا الإطار، هي أخطاء ذكية من الناحية الاستراتيجية، كما يفترض أساساً لتقبل الشركات لها.

وهذا الانفتاح سيشجع الفرق الابتكارية على الحرص على عدم ارتكاب أخطاء أولاً، أي التعلم من أخطائهم، بدلاً من ثقافة الانغلاق على ثقافة النجاح، التي بدورها تثبط الإبداع، وبهذا يصبح الفشل جزءاً لا يتجزأ أيضاً من عملية الابتكار، لكن هذا الجزء أيضاً في سياق شروط الحوكمة، قد يفتح الباب عن إبداعات جديدة ناشئة بالصدفة غالباً، التي تفرضها الأخطاء الذكية التي قد يقع فيها المبتكرين.

وليس هذا فحسب، بل يجب أيضاً على الشركات في سياق تشجيع الانفتاح حول الأخطاء، مكافأة أولئك الذين يتعلمون بصدق من إخفاقاتهم.

في سياق آخر، مما يجب إدارته من خلال خطة الحوكمة، وقد يشكل فخاً تقع فيه المؤسسات والشركات حين تتصرف بناء على رؤية قديمة تعتبر الابتكار قوة مستقلة، فتميل هذه المؤسسات في سياساتها إلى إبعاد عملية الابتكار عن مركز المؤسسة، فيتم إنشاء وحدات ابتكارية، أو مراكز منفصلة تعمل في الواقع مثل صناديق رأس المال الاستثماري، فتكون نجاحاتها وفق هذه الرؤية، قد تخلف اختلالاً واضحاً في التوازن بين عمل المؤسسة ونشاط المراكز الابتكارية المستقلة، وهنا تتم إدارة مخاطر هذه الترتيبات، وتحقيق التوازن من خلال الحوكمة.

أما ثاني الأساسيات التي يمكن إدارة مخاطر الابتكار من خلالها، فهي «محافظ الخيارات»، التي توجب على الشركات أن تتبنى مجموعة من تجارب الابتكار المبكرة، التي تظل تعمل بالضرورة بالتزامن مع بدايات الشركة ونشأتها، فتمثل هذه الابتكارات مجموعة من الخيارات المستقبلية، لما يمكن أن تستثمر فيه هذه الشركة منها بعد اختبار نجاحها، بدلاً من المغامرة في الاستثمار برأسمال كبير في محفظة واسعة من الشركات، قبل معرفة أي من هذه الاستثمارات سوف ينجح بالفعل.

ثالثاً، أساسية المعالجة، والتي تزيد من نجاح الابتكار، الذي غالباً ما يتوقف على السرعة، حيث إن هذا النجاح مرهون بعملية توفر استراتيجية تعالج وتدير المخاطر التي يمكن أن تقصر دورات التعلم التي تحتاجها السرعة بدون أخطاء، وكذلك التعرف إلى الفشل في وقت مبكر، وإجراء تصحيحات المسار في الوقت المناسب، وهي عملية تسهل الحوار على مستوى الشركة حول المخاطر المقبولة، ومقدار المخاطر المناسبة، على أساس العائدات المحتملة.

ما يمكن أخيراً استنتاجه، هو أن الشركات يمكنها تحقيق فوائد أكبر، من خلال دمج إدارة مخاطر الابتكار في المنظمة ككل. من شأن ذلك أن يساعد على تعزيز الابتكار من الأسفل إلى الأعلى، مع ضمان أن يفهم كل شخص في الشركة، ما يتم تمويله، وكيف ومتى ولماذا.

كما يمكن أن تعمل مجموعات إدارة المخاطر كمواصفات قياسية، وتوفر لغة مشتركة، يمكن أن تستخدمها الأعمال لترجمة التحديات الاستراتيجية إلى مخاطر محددة قابلة للقياس، وتوفير خبرة إدارة المخاطر، مثل لجان الرقابة وإجراءات التقييم.

لقد أدركت معظم الشركات اليوم، أن إدارة المخاطر المتطورة، هي عامل تمكين رئيس للنمو والربحية على المدى الطويل. ما هو أكثر من ذلك، أن بعض الشركات، قد وضعت قدرات متقدمة لإدارة مخاطر الابتكار الخاصة بها بنجاح. وللحديث بقية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات