المواطنة الخليجية والحلم المشترك

هل المواطنة والهوية الخليجية حقيقة أم وهم؟ وهل تبلورت يوماً مواطنة وهوية خليجية حقيقية؟ وهل باستطاعة المواطن الخليجي، التغلب على كل الانتماءات للقبيلة والدولة القُطرية، والتحلي بروح الولاء والانتماء للجماعة الكبرى، وهو الخليج وهويته؟ وهل ما حصل لأوروبا من انسحاب بريطاني، وبوادر تفكّك يهدد الحلم الخليجي؟

يشد الاتحاد الأوروبي هذه الأيام، أنظار كل العالم، إبان التصويت البريطاني بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، والتغريد خارج السرب منفرداً. فلعقود طويلة، كان الاتحاد الأوروبي مضرب المثل في الوحدة، ووضع المصالح العامة لشعوب أوروبا فوق كل الخلافات والحروب التي شهدتها القارة العجوز.

وقد استطاع الاتحاد الأوروبي أن يجمع ما فرقته يوماً ما الاختلافات السياسية، وأن يظهر في صورة كيان وحدوي ساهم في قيادة أوروبا إلى المسرح العالمي بكل عنفوان وقوة.

كما استطاع أن يخلق مواطنة أوروبية موحدة، من خلال إلغاء الحدود والحواجز. وعلى نفس مسار الاتحاد الأوروبي، سار مجلس التعاون الخليجي، الذي تجمعه الكثير من الروابط والقواسم التاريخية والاجتماعية المشتركة. فلعقود طويلة، كان مجلس التعاون مثالاً للحلم العربي الذي تحقق.

كان الهاجس الأمني والتهديدات الجيو- سياسية، وخاصة في أعقاب اندلاع الثورة في إيران، في عام 1979، تجمعنا على قلب واحد ومصير واحد. فإحساسنا بوحدة المصير والخطر المشترك، جمعنا، وكان من نتائج هذا التجمع، ظهور مجلس التعاون الخليجي، الذي شهد له القاصي والداني بأنه تجربة تعاونية ناجحة.

تلك الهواجس التي جمعت دول الخليج في الماضي، لم تعد توحدهم. حتى الأخطار الحقيقية التي تواجه دول الخليج، كقضايا الإرهاب مثلاً، فهناك انقسام في الرؤية، حتى أن هناك دولة خليجية هي قطر، تمول الجماعات الإرهابية، وتحتضنهم، الأمر الذي يخلق توتراً بين دول الخليج، لا يمكن تهدئته أو السكوت عليه.

إذن، فعدم وجود اتفاق ورؤية مشتركة للأخطار التي تهدد دول المجلس، ساهم في التأثير سلباً في المواطنة الخليجية. من جهة أخرى، فتقاطع الولاءات والانتماءات عند بعض دول الخليج، ساهم بحدة في التأثير، ليس فقط في الوحدة الخليجية، بل في المواطنة الخليجية.

فعندما تتقاطع الانتماءات، ويصبح ولاء الفرد للدائرة الأضيق، على حساب الدائرة الأوسع، فهو مؤشر على تضاؤل الانتماء الوحدوي، ودليل على وجود خلل ما في المنظومة الوحدوية. وعلى الرغم من أن القواسم التي تجمع دول الخليج، أكثر من تلك التي تفرقهم، إلا أن تلك القواسم لم تنجح، كما يبدو، في خلق مواطنة خليجية قوية.

عند تأسيس مجلس التعاون، كان مفهوم الانتماء للخليج قوياً، وظهر ذلك في سرعة استجابة القيادات السياسية، وسرعة تقبُّل الجماهير في الخليج لهذه الوحدة، والتأكيد على أهميتها. فالإحساس بالانتماء إلى مجموعة كبيرة، هو إحساس يدغدغ مشاعر جميع الخليجيين الحريصين على وحدة بلدانهم. إذن، فهناك هوية خليجية، ولكن ليس بالضرورة أن تكون هناك مواطنة خليجية.

إن مجلس التعاون اليوم، يواجه خطر الانفراط، خاصة بعد ظهور سياسات تغرد خارج السرب، ونزعات ضيقة وقُطرية تنادي بالانتماء للدولة القُطرية، وليس إلى مجموعة اتحادية. فشل دول الخليج، كما يبدو، في خلق مواطنة خليجية، كان له أسباب ومبررات عدة، يأتي على رأسها التحزب للدولة على حساب الولاء للكيان الكبير، وهو ما يلعب دوراً مهماً في التأثير في المواطنة الخليجية.

وظهر هذا واضحاً خلال الأزمة الخليجية، والتي قامت فيها قطر لزعزعة استقرار جيرانها، والتملص من كافة التزاماتها تجاه المجلس ودوله الأعضاء، الأمر الذي انعكس على اللحمة الخليجية.

وبما أن هناك حقيقة، وهي أن الهوية تغلب على المواطنة، فإن ذلك يعد مبرراً آخر خطيراً، ومؤثراً في مجلس التعاون. فالبعض يستشعر بأنه ينتمي إلى كيان صغير قوى، يحقق له مصالح آنية، ويوفر له آلية للحصول على حقوق وامتيازات وسمعة.

إذن، فالمواطن الخليجي الذي حلم يوماً بقيام المجلس، يحرص الآن على ضرورة بقائه قوياً ومتماسكاً، يجد نفسه أمام تحدٍ كبير ومنزلق خطير. فهو يدرك تماماً أن مستقبله مع بقاء هذا الاتحاد قوياً. ولكن إذا تضاءلت فرص بقاء المجلس، فالمواطن الخليجي سوف يجد نفسه ملزماً بقبول خيارات أخرى، مثل الشراكات الاستراتيجية أو الثنائية.

ولكن في حال غياب الاتفاق السياسي والاستراتيجي المشترك، تبقى المظلة الاقتصادية هي أفضل مظلة تستظل بها دول الخليج، وهي المظلة التي أثبتت عبر العقود الماضية نجاحها.

فكما هو الحال في أوروبا، تبقى الروابط الاقتصادية أهم ما تحرص الدول على إبقائها حية وقوية. وتبقى المواطنة الخليجية الحقيقية، ملاذاً من الملاذات الآمنة التي تحرص شعوب الخليج على وجودها، رغم كل المعوقات.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات