الحوار المستحيل

كتبنا في الحوار من حيث ماهيته، ومن حيث أصله وفصله والتكرار مفيد أحياناً، وغير محمود أحياناً أخرى.

ولهذا لن أعود إلى ماهية المفهوم الذي عرضناه في دراسة لنا بعنوان فلسفة الحوار. ولكن حسبي القول إن الحوار لا يمكن أن يكون إلا بين طرفين أو أكثر يعترفون ببعضهم رغم اختلافهم، بل الاختلاف في الحوار شرط ضروري للوصول إلى المشترك.

حديثنا اليوم عن الحوار المستحيل، فمتى يكون الحوار مستحيلاً؟

يكون الحوار مستحيلاً إذا كان هناك نفي متبادل بشكل مطلق بين الأطراف، لأن شرط الحوار، كما قلنا، هو الاعتراف.

الحوار مستحيل بين كائنات لا عقلية وبلا قيم أخلاقية إيجابية وتنظر للقوة وسيلة فرض الأمر الواقع، من جهة، وإنسانويين يرفعون من شأن العقل وقيم الإنسان الأساسية، قيم الحق والحرية والكرامة من جهة أخرى.

الحوار مستحيل بين عقل يتكون معجمه السياسي من كلمتين أو ثلاث كلمات أو أكثر أو أيديولوجية لا معنى حقيقياً لها عنده سوى رفض الحوار كحضن الوطن وسقف الوطن والإرهاب والممانعة من جهة، وعقل معجمه مليء بمفردات الحرية والعدالة والعيش المشترك والديمقراطية والمجتمع المدني والإنصاف ولقمة العيش والأمن والأمان من جهة ثانية.

الحوار مستحيل بين طرف يمتهن الكذب المطلق، ويزيّف الوقائع والتاريخ من جهة، وطرف صادق في النظر إلى مستقبل البلاد والعباد.

الحوار مستحيل بين شعب يتوسل الحنجرة للمطالبة بحقوقه في الحرية والعدالة والإنصاف والكرامة من جهة، وجماعة همجية متخلفة تتوسل السيف والقتل والإبادة للانتصار على الشعب.

الحوار مستحيل بين عواطف نبيلة معبّرة عن ثقافة الحب والتسامح والمصلحة الكلية من جهة، ونزعات همجية لا ترى وجودها إلى في قهر الآخر وإخضاعه وسلب حقه.

الحوار مستحيل بين من ينطوي عقله على كل مبادئ العقل والمنطق من جهة، وبين من يفكر وهو في مرحلة الغرائز غير المثقفة. فلا يقوم حوار بين من يرفع غصن الزيتون ومن يرفع البندقية.

الحوار مستحيل بين من يتصف بعماء القوة وامتلاك القوة القاهرة من جهة، والضعيف الذي لا حول له ولا قوة من جهة أخرى.

الحوار مستحيل بين من يعتقد بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة ومتعصب لها تعصباً جاهلياً من جهة، ومن يرى الحقيقة ثمرة طريق دائم لا ينتهي نحو المعرفة، وإبداع مستمر، ومشاركة إنسانية لا يحتكرها أحد بعينه.

الحوار ارتقاء الوعي، أداته العقل واللغة فقط. في الحوار يكون الإنسان هو الحاضر أولاً بكل مكانته وقدره ومستقبله. ويكون الحفاظ على الحياة والارتقاء بها هو الغاية. ولهذا فهو في السياسة فن الوصول إلى الممكن، والمصالح المتبادلة، يكون فيها المتحاورون جميعهم منتصرين، فلا يقوم حوار على مبدأ الغلبة والقهر.

وهو في العلم يقوم على هاجس الوصول إلى الحقائق العلمية باستخدام آخر مناهج البحث العلمي، سواء كان ذلك في العلوم الطبيعية والرياضية أم في العلوم الإنسانية.

وهو في الأدب حوار مع النص وكشف المسكوت عنه وتأويله بما يغني النص نفسه. وهو في الأديان البحث فيما يفيد البشرية جمعاء وتجاوز الصراعات التي تتخذ من الدين ذريعة لها. وهو في المجتمع الوسيلة الوحيدة لتأكيد العيش المشترك، والسلم الأهلي.

ولو سئلت: ما هو معيار التقدم الحضاري؟ لأجبت من دون تردد إنه انتصار طقوس الحوار، والاستخدام الأرقى لوسائل التواصل الاجتماعي المتطورة الآن بوصفها منصات حوار.

بل إن الدول الناجحة اليوم هي الدول التي لديها سياسة إدارة الحوار حول واقعها ومستقبلها وإشراك العدد الأكبر من نخبها وجمهورها في الحوار.

* كاتب فلسطيني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات